حوار مع الأديببة حفيظة قاره بيبان
- البحر ملاذي -
حوارات"الصحافة"





هي أديبة رومانسية جريئة، كتاباتها تحفر في أبعاد الوجود، مفعمة بالشعرية. أما شخصياتها الروائية والقصصية فنرى من خلالها ارتسامات حفيظة قارة بيبان الأديبة التي تتوق إلى الحرية والجمال وكسر كل القيود الثقافية التي تهمش الأنثى المبدعة. كان عالم الكتب هو عالمها الخاص منذ طفولتها داخل بيت محافظ، فوالدها مدرس بجامع الزيتونة - فرع بنزرت - وأديب وشاعر معروف، ووالدتها ذات مرجعية ثقافية محافظة. ومن عالم الكتب إلى عالم البحر وجدت بنت البحر، كما يحلو لها أن تسمي نفسها آفاق الحرية وسكينة الروح، وقد عكست كتاباتها حركة أمواج البحر في هدوئها وصخبها عبر إثارة قضايا على درجة من الأهمية مثل التطرف الديني والوهم الايديولوجي، حول حفيظة قارة بيبان الأديبة الإنسانة، وحول روايتها «العراء» التي تستعد لإصدارها قريبا، كان لنا معها هذا الحوار.


كيف كان شغف بنت البحر بالأدب؟ هل عاشت في بيئة ادبية وفنية مثلا؟، أم عاشت تجليات إبداعية من خلال علاقتها بذاتها وبالمجتمع والعالم؟

الأدب كان من البداية قدري. حلم طفولتي الأول كان أن أصبح أديبة أخلق شخصيات وحكايات و عوالم ترفعني عن واقعي المقيد إلى عالم خيالي رحب يحررني من قيود عالمي

لاشك أن أسبابا عديدة غذت ذلك الحلم،فقد كان عالمي داخل بيتنا المحافظ هو عالم الكتب والمجلات التي كانت تزدحم بها مكتبة والدي فتفتح لي نوافذ على عوالم شيقة مدهشة . هكذا وجدتني أدمن على قراءة القصص والأشعار التي أجدها في المجلات العريقة كالرسالة والثقافة والآداب،منذ تعليمي الابتدائي. ورغم تربيتي الدينية المحافظة فإن عالمي كان مفتوحا على كل الفنون

كان أبي المدرّس بجامع الزيتونة (فرع بنزرت) يحفظنا القرآن الكريم ويعلمنا سيرة الرسول (ص) ومع ذلك، يأخذنا بانتظام إلى السينما و المسرح فقد كان مديرا لجمعية النهضة التمثيلية وكان أديبا وشاعرا

أمي المحافظة إلى حد الصرامة كانت حين تروق النفس،تلقي علينا أشعارا بالعربية الفصحى تعلمتها صبية في بيت جدي عن المؤدب، بإلقاء تمثيلي مؤثر لا زال صداه في الذاكرة

هذا مع حساسية مفرطة تسري في دمي، انضافت إليها الثقافة والتجربة ليصبح الأدب حياتي وحريتي وليعكس مختلف تجليات علاقتي المتوترة مع المجتمع والعالم حوالي

بنت البحر هذه الاستعارة لحفيظة قارة بيبان، هل تحدد من خلالها علاقتك مع البحر، وهل الكتابة تحاكي البحر في رأيك؟

عشقت البحر منذ فتحت عيني على الدنيا، فقد كان مرتعي وملعبي وأنا طفلة،أسكن على بعد أمتار منه، وأصبح ملجئي وملاذي و أنا مراهقة وشابة ثم وأنا امرأة تحاصرها هموم الأرض. البحر جزء من شخصيتي و أحد أهم الرموز في كتابتي. البحر الهادر إذ يتقدم إلي،في وحدتي على الشاطئ، أمام الأفق الممتد الرحيب يذكرني بتلك القولة لهيراقراطيس الفيلسوف »الماء هو التحول الأول للنار». من النقيضين أجدني ، الماء والنار

أعشق البحر إذ يؤويني ويفتح لي آفاق الحرية ويمنحني سكينة الروح. وأوليه ظهري ومرارة خيبتي إذ تتحول مياهه قاتمة مخيفة قاتلة بما ينحل فيها من سموم الحروب و إذ يصبح مقبرة هائلة لطالبي الحياة من الشباب الحارق إلى الضفة الأخرى في قوارب الموت. أما الكتابة، فهي الحرية القصوى،هي الحياة

الرومنسية والجرأة وتجليات الأنثى سمات تتوفر في أعمالك الأدبية، هل من إضاءات حول هذا الموضوع؟

أنا أكتب كإنسانة قبل كل شيء ثم كعربية وكأنثى أخيرا.ولأنني لا أضع قيودا لي وقت الكتابة، فإنني أكتب بكل حرية انطلاقا من واقعي ومن أعماقي الإنسانية التي أشترك فيها مع كل إنسان. الكتابة الإبداعية هي موقف أيضا وهي شهادة على عالم لا يكتبه المؤرخون و الفلاسفة بقدر ما يكتبه الأدباء و الفنانون لأنهم ينطلقون من وجدان الإنسان و أعماقه ومن صراعه مع كل القوى التي تريد استلابه وسحقه

وهذا ما دفعني لأكتب-مثلا- عن التطرف الديني والقمع السياسي في رواية «دروب الفرار» الصادرة سنة 2003، وهو ماجعل النقاد يرون في ذلك جرأة وشجاعة كالدكتور محمد القاضي ود. عبد الرزاق الحمامي والناقد الفلسطيني المعروف د.فيصل دراج الذي اعتبر في تقديمه للرواية الصادرة عن دار كنعان بدمشق أنها« تتميز بشجاعة عارفة غير مألوفة كثيرا»، وهو ماعبّر عنه د.محمد القاضي بقوله،«دروب الفرار، عمل فني يشد القارئ إليه شدا بطاقته الباهرة على الصدق وشجاعة صاحبته التي عبرت عن موقف صريح من المجتمعات الذكورية التسلطية ومن النظم الدكتاتورية البوليسية ومن القراءات السلفية الظلامية

ومهما كانت الآراء حول كتابتي ونسبة الشاعرية والرومانسية أو مدى الجرأة فيها،فما يشغلني وقت الكتابة،أن يكون نصي متوهجا بصدقه،كاشفا للواقع المتردي بأدواته الجمالية أي أن يكون مقنعا و ممتعا في نفس الوقت

انضممت إلى نادي القصة في أواخر السبعينات، فوجدت الإحاطة والتشجيع من الأديب الراحل محمد العروسي المطوي؟ هل تحتفظين بذكريات حول تلك الفترة ؟ وهل رسخت في ذهنك بعض المواقف؟

انضمامي إلى نادي القصة كان بعد نشري العديد من النصوص في مجلة الفكر وفي جريدة الصباح . نادي القصة فتح لي أبواب حياة أدبية تتجاوز العلاقة الورقية إلى علاقات إنسانية وصداقات عديدة لازالت باقية إلى الآن. وجدت فيه عائلتي الأدبية الأولى

وهناك تعرفت على الأديب محمد العروسي المطوي مدير النادي الذي كان يقدم مثالا رائعا للقادمين إلى النادي بإنسانيته الفذة،و بتسامحه و تواضعه النادرين وبتشجيعه الكبير للمرأة الكاتبة.أذكر أنه كان أول قارئ لكتابي» الطفلة انتحرت» إذ ما إن علم أن يسأقدمه للنشر حتى بادر بطلب مراجعته

ولقد قدمت شهادتي عن تلك الفترة وعن علاقتي بالأديب العروسي المطوي رحمه الله في رسالتي الأخيرة إليه في كتابي «أجمل الفضائح» الصادر عن الأطلسية للنشر

طريق الأدب والانتشار الذي سرت فيه بثبات ونجاح، هل وجدت فيه بعض الصعوبات؟ وكيف كان تعاملك معها؟

يقول سركون بولص «الفراشات المسحوقة تحت مطارق الأبواب تصير غبارا ولكنها تصل». وهذا هو المهم، الوصول. درب الأدب والفن عموما ليس دربا محفوفا بالورود، فالفن والأدب خاصة حرية أو لا يكون. الحرية تصطدم دوما بالمجتمع، بالسائد، بالسلطة مهما كان مأتاها. العلاقة متوترة دوما مع مجتمع يخشى من يعريه و يكشف تدهوره وخرابه.هذا إضافة إلى أن الأدب يحتاج إلى عمل و ثقافة واشتغال مستمر على اللغة. ولكن سيزيف يظل يدفع الصخرة دوما إلى القمة

شغفي الكبير بالأدب، عشقي لحريتي، لانطلاقي، هو الذي جعلني،مهما كان السقوط،أعود أنهض من جديد لأواصل طريقي، ولأحفر في لغة تمنحني لذة الخلق

ما هي الاشكاليات الثقافية التي لم تحل بعد الثورة ؟

الثورة حققت لنا حرية الكلمة التي كنّا ككتّاب نحتال لافتكاكها بالمراوغة و الرمز والإسقاط و بمختلف الحيل الأدبية. ولكن لا شيء تغير عدا ذلك في المشهد الثقافي. فالثقافة دوما مهمشة أو مغيبة من المشهد العام ومن الإعلام خاصة، في حين أنها الجوهر الذي يصون الوعي ويوضح المنهج وحتى إن قدمت بعض الأخبار الثقافية في الإعلام المكتوب أوالمرئي فهي من لون واحد لا يرى غير الصورة،المسرح، السينما، الغناء.أما الكتاب، أصل الثقافة والمعرفة،فلا وجود له تقريبا. . المصلحية و الانتهازية مازالت سائدة

نفس الوجوه الموالية للنظام السابق مازالت تحتل المواقع البارزة في الساحة الثقافيةوكثيرا ما تقع الاستجابة لمن يصرخ أكثر أو لمن يحسن أكثر تلون الحرباء

«العراء» روايتك التي تستعدين لنشرها، صدر بشأنها مقال في جريدة «القدس العربي» بقلم الأديب الفلسطيني رشاد أبو شاور، هل من صلة بين موضوع الرواية وبين كاتب المقال؟

عندما أنهيت روايتي الجديدة «العراء» كنت في حاجة إلى قراءة كاتب فلسطيني وذلك قبل تقديمها للنشر. فالرواية ترصد في جزء هام منها قدوم المقاتلين الفلسطينيين إلى تونس من حرب بيروت سنة 1982 ونزولهم من الباخرة اليونانية في ميناء بنزرت

هكذا أرسلت الرواية إلى الكاتب الكبير رشاد أبو شاور الذي كنت أعرفه من خلال كتاباته في جريدة القدس العربي ومن خلال قصصه ورواياته ونضاله ضد الاستعمار الإسرائيلي . وكان أن فاجأني بتقديم قراءته بـ«القدس العربي» مرحبا

بالرواية و معبرا عن إعجابه بها ذاكرا أنه تأثر كثيرا بها قائلا «أعترف أنني كنت أرتجف و أنا أقرأ بعض الفصول» وأنا الآن في انتظار نشر الرواية




حاورتها : هيام الفرشيشي

الأحد 8أفريل2012