صاحبـة القلـم مـاذا تريـد؟

                                                                            

 

ككل مرة، ومن جديد، تنظم ندوة في العالم العربي وفي تونس بالذات، حول حرية المرأة، ندوة لم تدع إليها المرأة، بل دعيت إليها. وهكذا شاركت، سواء كانت واعية أم لا، في إبراز جهدها المشتت وانعدام مبادرتها، وسقوطها أحيانا كثيرة في التناقض.
وهذه العوامل ستظل حاجزا منيعا أمام الآفاق التي يمكنها فتحها لو أرادت.
برزت في هذه الندوة التي نظمها اتحاد الكتاب مع اللجنة الثقافية من خلال المشاركات والنقاش مواقف ثلاثة مختلفة من الموضوع المطروح:
1- موقف يرى أن المرأة لم تحقق كل ما ترجوه وتريده لها القوى الديمقراطية من مكاسب. فالعديد من التشريعات ما زالت في مستوى النظرية والنظرة إلى المقدس مازالت في حاجة إلى تغيير لتمكن من الاجتهاد الملائم للعصر وبالتالي من تشريعات جديدة تجعل المرأة مساوية للرجال في الحقوق والواجبات.
2- موقف ينكر هذه النظرة إلى الموضوع ويعتبر الحديث عن المرأة الآن ليس بريئا. فلا فرق بين الرجل والمرأة على اعتبار أنهما يعانيان من نفس المشاكل والضغوط والحديث عن حرية المرأة هو الهاء وتغطية لمشاكل أخرى أهم وأعمق.
3- موقف وإن بدا ضعيفا، لكنه بارز ولفت الانتباه في هذه الندوة، وكان مصدر مرارة وأسف وهو اعتبار المرأة نفسها موضوع اضطهاد وقهر دائم من طرف الرجل فهي بتحملها جل المسؤوليات الأسرية دونه تنتهي إلى تقليص طاقاتها وقدراتها وإلى وأدها مما يتركها اجتماعيا في المنزلة الدنيا.
بعد هذا العرض العام والسريع سأتوقف عند الجلسة الثانية التي بدت فيها المواقف المختلفة واضحة.
فمن المرأة واليومي لبهيجة قعلول إلى الحديث عن التشريعات في Enjeux de l’émancipation de la femme   مع زينب الصمندي إلى "المرأة الكاتبة بين الإقدام والإحجام" مع عروسية النالوتي.
لعل تلبسي بالكتابة واضطهاد الكاتبة للأنثى داخلي والعكس وارد أيضا هو الذي تركني أتعلق بصفة خاصة بالمداخلة الأخيرة. فأنا بين الإقدام والإحجام أعاني وأصارع واقعا متراكما متناقضا تزدوج فيه المعوقات. فكيف أحرر الكاتبة في لتنطلق إلى أبعد ما يمكن؟
أتاني صوت عروسية النالوتي هادئا مجيبا ملخصا مفهومها للكتابة فهي حرية أو لا تكون وتحدثت عن معوقات الكتابة الحرة التي تصبو إلى الإبداع وإلى الخلود فأتى نصها عميقا مكثفا ملخصا للحواجز التي يطمح كل كاتب إلى تجاوزها.
وفجأة، سكتت شهرزاد عن الكلام المباح. وانتظرت.. بقية الكلام، ولكن كان الخيط قد انقطع دون تنبيه مسبق.
لقد كان المنتظر شهادة أو بحثا يتعلق أساسا بالمرأة الكاتبة حسب العنوان المقترح.
ولكن، رغم جمال النص المقدم وكثافته فلم يكن منضويا تحت عنوانه، إذ اهتم بالكتابة التي نطمح إليها كتابا جميعا ومعوقاتها مع إشارة جد محتشمة للمرأة الكاتبة.
وتساءلت:
لماذا نلامس موضوع المرأة ونخشاه؟
لم لا نكشف ونتعمق في المعوقات التي تحد من انطلاق المرأة الكاتبة بالصفة التي تمكن من البحث عن حلول لتجاوزها؟
هل هو هروب من خصوصية هذه المعوقات وبالتالي هروب من التقسيم الجنسي – لتأكيد المساواة؟ (رغم ما في الاختلاف من تكامل وثراء)
أم هو اقتناع بأن المعوقات واحدة بالنسبة للكتاب جميعا (رجالا ونساء)؟
وهل أن نموذج المرأة الكاتبة الطليقة التي استطاعت. في حياتها الخاصة كسر السائد وتطليق النظام الأسري الذي كان يحد من نشاطها، هو المثال الوحيد الذي يؤدي إلى الاقتناع بعدم خصوصية المعوقات التي تواجه المرأة الكاتبة.
ولنا أن نتساءل أيضا:
لم نجد عدد الكاتبات لا يتجاوز 18 من جملة 248 عضوا باتحاد الكتاب التونسيين أي بنسبة 7،25 % ؟! (حسب القانون الأساسي وتراجم الأعضاء لعمر بن سالم)
ولم نجد تأسيس الاتحاد لم تشارك في هيئته المديرة غير كاتبتين اثنتين؟
ما الذي جعل أصواتا كانت متفجرة شعرا ونثرا تنكسر وتتلاشى؟
صحيح هناك هموم عامة معروفة وهناك معضلة النشر والتوزيع... ولكن أهذا فقط ما أخمد صوت العديد من الكاتبات؟
أهذا فقط ما جعل كلامهن قليلا وعطاءهن متباعدا؟
من المؤسف أن نبقى ككاتبات نهرب من مواجهة هذا الموضوع رغم أنه قائم الذات وكأننا والكل يصفق لحرية المرأة ويدعو لها، نثأر من تاريخنا ونشطب عليه وعلى آثاره ونقف متباهيات رافضات حتى مفهوم الاختلاف الذي أحببنا أم كرهنا يظل موجودا في كل الأمكنة وكل الأزمان.
وهكذا تسقط المرأة المثقفة في التناقض فهي مع الحرية، مع المساواة، ومع انعدام الفروق بين الجنسين (ولو أن هذا لا يزال طموحا لا يدعمه الواقع) فتأنف من الحديث عما يخص المرأة من مشاغل ومعوقات.
وهي في الوقت نفسه، تسعى إلى المشاركة في الملتقيات والندوات التي تنظم حول المرأة في الخارج والداخل فتجد نفسها تساهم في تأجيج الحديث والنقاش حول قضايا المرأة.
إن التفكير في مشاغل المرأة ومدى حريتها وتحقيقها لطموحها ليس تهميشا لها وتكريسا لفئويتها، بل إنه تفكير في جانب من الحريات العامة التي تبقى في حاجة إلى تدعيم.
وإن النظرة إلى البحث في قضايا المرأة على أنها أمور جانبية وانشغال بجزئيات يجب تجاوزها للاهتمام بالمسائل "الأكبر" و "الأهم" لنظرة ضيقة للأمور.
فلن يصل الإنسان العربي إلى حريته المرجوة وإلى تحقيق ما يصبو إله إذا ظل يتجاهل بعضا من أمراضه الداخلية.
قد يكون الطرح الآن لموضوع حرية المرأة في الندوات التي تقام، مختلفا عما كان والطموح كبيرا ولكن تظل المرأة المشاركة منساقة إلى هذه الندوات تنقصها المبادرة التي قد تسمح لها بطرح أجدى وأعمق لو كانت أكثر صدقا مع نفسها وأكثر تعمقا في واقع المرأة بمختلف فئاته.
ومع هذا التناقض والتشتت وقلة المبادرة، يظل السؤال:
كيف تقوم المرأة الكاتبة بدورها الطموح في الحياة كاملا؟ تتغلغل في أعماق الذات، تبحث عن الصميم في الحقل الإنساني المشاع وتعبر بصدق وغزارة؟
كيف تتجاوز معوقاتها المزدوجة المضاعفة ليكون صوتها أكثر قوة ومسيرتها أكثر ثباتا وتواصلا؟
أبكسر السائد وتجاوز المجتمع وقوانينه يمكن ذلك؟
أم أن المطالبة بقوانين وتشريعات تقدمية لصالحها يمكن أن توفر لها مساحة أكبر للعمل الفني؟
ألا يوفر العمل الجمعياتي حقلا خصبا لتحقيق طموحات قد لا تتوفر إذا لم تتحد لها الجهود؟
وفي انتظار الجواب.
ألا يظل الطريق الوحيد أمامها ركوب شيطان الإبداع والاعتراف أن لا مجال للهروب من قسوة المعاناة مهما كانت النتائج؟