أوهـــــــام اتّحـــــــادات الكتـــــــاب






وأنا أقرأ آراء بعض الكتاب العرب عن المؤسسات الثقافية في الوطن العربي مع نهاية العام 2006
عاد السؤال مجددا : لم تتوتر العلاقة دوما بين الكاتب وهذه المؤسسات في عالمنا العربي بصفة خاصة، إلى حد القطيعة أحيانا ؟
ألأن جل الهياكل الثقافية تسير دوما على دين ملوكها حتى وإن لبست جلباب الاستقلال ؟
أم لأن الإبداع فردي، لا يروم القيود ولا ينسجم مع التجمعات والتكتلات ؟ أم لأسباب أخرى أشد تعقيدا وأبعد خطرا ؟

في محاولة لقراءة المشهد الثقافي للعام المنقضي من طرف المنتدى الثقافي لجريدة الشرق الأوسط يقول الشاعر والأكاديمي السوري صلاح يونس : المؤسسات الرسمية أقل ما يقال فيها أنها لا تقدم سوى الاستعراض الممل، هذا غير الفساد المستشري.
أما الشاعرة لينا تقلا، فإنها ترى أن عدم وجود وزارة للثقافة واتحاد الكتاب أفضل من وجودهما رغم كل المظاهر الاحتفالية. أما الروائي والشاعر أحمد الخطيب، فإنه يؤكد أن المشكلة تكمن في الوصاية الحكومية على الثقافة...ومع هذه الحالة، لا أفق، وستتراكم الأخطاء بل الخطايا على المستوى الثقافي.
ورغم احتفاليات مدينة حلب بمناسبة اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية، فهناك شبه إجماع من الكتاب السوريين على أن الثقافة في ركود.

في لبنان، يكاد يكون اتحاد الكتاب منسيا من جل الأدباء والمثقفين . ولكن تظل مقاهي شارع الحمراء، هي القلب النابض الذي يجمع الشعراء والكتاب والإعلاميين بعيدا عن الهياكل الرسمية الخاوية.
أخيرا، في مقهى «السيتي كافيه» وقع 6 كتاب كتبهم الصادرة عن دار «رياض نجيب الريس»، بعد تأجيل معرض الكتاب، منهم رياض نجيب الريس الذي وقع كتابه «الحرب المنسية، 1956»، وكأنهم يؤكدون بذلك حرية الكاتب بعيدا عن المؤسسات الرسمية، فتتحول معهم المقاهي المفتوحة إلى منابر حقيقية للأدب والفكر والفنون.

أما في المغرب، فرغم ما يبدو من نشاط ثقافي لاتحاد الكتاب، تعلن عنه من حين لآخر جريدة القدس العربي «إلا أن إحدى الكاتبات المغربيات تعترف بأسف أنه التركيز على العمل الدعائي، بينما الواقع ليس بذاك الإشراق الذي يبدو من بعيد. فكم من ندوات يعلن عنها ولا تتم، أو تنتهي أمام المقاعد الفارغة.

تقودني هذه التوطئة إلى تونس وبالذات إلى اتحاد كتابنا الذي عاد ينشر الخيبات ويثير السؤال الكالح : ـــ لم يرتقي هذا الهيكل إلى مستوى طموحاتنا رغم الأموال التي تصرف عليه، والعناية الحكومية التي تولى له ؟

في أوائل انتخاب الهيأة الجديدة، وفي مكتب رئيس الاتحاد عند لقائي الوحيد به، والقهوة تمتد إلى يدي، أخذني فرح غر بعودة الاتحاد إلى زمن يقدر فيه الكاتب التونسي ويحترم، مع رئيس جديد وأديب نقدر عطاءه ودماثة خلقه
لم أكن أدري يومها أن سذاجتي القديمة مازالت بقاياها تقودني لتتكرر الخيبات وتقف نقط الاستفهام من جديد شائكة أمام الدور الحقيقي لمثل هذه المؤسسات إن كان لها دور.
ما رمى بي إلى هذه الخيبة هو آخر تجربة لي مع اتحاد الكتاب من خلال جمعية «أحباء الكتبة والكتاب» ببنزرت.
هذه الجمعية الفتية التي تحاول جاهدة الوقوف في وجه عولمة تسعى لتدجين الشباب وجعله عبدا لفضائيات الاستهلاك والإغراء، بترغيب الشباب في الكتاب وربط الصلة بينه وبين الكتاب وتقديم التجارب الفنية الراقية. فكانت استضافتها لعدد هام من المبدعين كالحبيب بولعراس، وعز الدين المدني وعبد الواحد ابراهم ونافلة ذهب ومحمد الهادي الجزيري والفنان عادل بوعلاق مع مجموعة أجراس...وغيرهم من المبدعين في مختلف الجالات.
ونظرا لمحدودية مداخيل الجمعية ورغبتها في تعريف روادها ببعض التجارب العربية كلما أمكن ذلك ـــ كما فعلت عند استضافتها للأديب الفلسطيني توفيق فياض ـــ ولعلمنا بقرب قدوم وفد من الكتاب السوريين في أواخر شهر نوفمبر، ضيفا على اتحاد الكتاب، كان اقتراح استضافة الكتاب القادمين بالتنسيق مع اتحاد الكتاب التونسيين.
ولكن كل محاولات الاتصال برئيس الاتحاد تبوء بالفشل ولم يبق إلا تنفيذ اقتراح موظف الاتحاد ببعث رسالة باسم رئيس الاتحاد إلى نزل تونس الدولي حيث يقيم كلما حل بالعاصمة لمسؤوليته السياسية في مجلس النواب.
كان الطلب بسيطا، واضحا : «موعد زيارة الوفد الضيف لتنظيم لقاء معه وتعيين ذلك في البرنامج السنوي للجمعية الذي ينتظر الطبع.
ونظرا لانعدام الجواب رغم كل المحاولات، لم يكن بد من القدوم إلى العاصمة والبحث عن المقر الجديد الذي عوض المقر الأصلي الذي طال أمر ترميمه وعطالته.
لم أكن أتوقع أن أدفع الباب الموارب لأدخل إلى مستودع شبه معتم، مغلق على أوساخه، وقد تراكمت طبقات من الأوحال على جليزه الذي اختفى ولم تعد تظهر منه غير بقع حال لونها تحت أوساخ الشهور أو السنين. في أقصى المستودع بدت رؤوس ثلاث حول مكتب في الزاوية تحت إضاءة بعيدة باهتة...إنهم موظفوا الاتحاد.
كانت صدمتي الأولى في مقر مهين أصبح مأوى لاتحاد كتابنا لمدة شهور ! وأنا أفيق من الإهانة التي تلقيتها بدخولي المستودع، عدت أؤكد على الكاتب تبليغ رئيسه برغبتي الأكيدة في الاتصال به ـــ فقط عبر الهاتف ـــ في أي وقت يريد، وقد ظننت أن الرسالة المختومة بختم الجمعية قد ضلت الطريق. وأنا أغادر المكان، عادت إلى الذاكرة فترة ترميم سابقة، حين انتقل الاتحاد إلى شقة محترمة نظيفة تشرف الاتحاد ولا تهين داخليه ولا تبرر غياب مسؤوليه.
ولكن صورة المستودع الوسخ ارتسمت في الذاكرة ووشمت فيها ولا شك أن كل من شاهدها، قد أصيب لفترة بالاكتئاب لمهانة الكاتب التونسي المنضوي تحت خيمة الاتحاد.
الصدمة الثانية جاءت حين رن هاتفي ذات صباح من شهر ديسمبر ليعلمني موظف الاتحاد الذي لا علم له بمحتوى الرسالة، بقدوم الوفد السوري ـــ يومها ـــ وبإمكانية الاتصال به في نزل تونس الدولي !!! أخرستني المفاجأة..فكيف ينظم لقاء جدي بهذه الصورة، ولضيوف سيقضون بتونس 4 أيام ؟ ومع ذلك، عدت أكرر طلب الاتصال برئيس الاتحاد، ولكن الموظف المأمور لا يقدر على غير الاعتذار والتعلل باستعداد رئيسه للسفر
هكذا، أهدرت فرصت اللقاء الذي كنا نتمناه.
ومع ذلك، كان الاتصال بأعضاء الوفد بالهاتف، لتبادل التحايا، لا لتنظيم اللقاءات المرتجلة.

كنت أعتقد أنه من واجب الاتحاد وليس تكرما منه، التعاون مع الكتاب والجمعيات الثقافية للتعريف بالأدب التونسي، وربط الصلة بين الكتاب التونسيين وغيرهم من الضيوف العرب، كلما توفرت الفرصة، وليس هذا بالأموال، والسفريات التي تعد في الخفاء بل بتوفير أبسط ما يمكن : الإعلام.
والإجابة على سؤال ينطلق من خلاله عمل جمعية محبة للكتاب لتنظيم لقاء غير مرتجل يجمع التلاميذ والأساتذة وأحباء الكتاب، لربط الأواصر المقطوعة ودعم العمل الثقافي الذي يبقى الحصن الأخير الذي نتشبث به في زمن الخراب والتقتيل وتقطيع أوصال الوطن العربي. ولكن لاتحاد الكتاب رأيا آخر.
إن هذا التعامل المتعالي والمستخف، لا يزيد الهوة إلا اتساعا بين اتحاد الكتاب وأعضائه وهذا ما يفسر صرخة الشاعر محمد أحمد القابسي «قبل العاصفة» في "تداعياته" بجريدة الأخبار، واستقالة عبد السلام لصيلع من الهيأة المديرة
واستقالة الكاتب كمال السخيري من الاتحاد، ومقالات الاستنكار المتعددة من أعضائه البارزين، لعل آخرها مقال د.محمد الباردي بمجلة الملاحظ.
إنه لمن المؤسف أن تتحول الهياكل التي قامت لتزيدنا قوة إلى هياكل لا تزيدنا إلا نأيا عن الأحلام،وقدرا أكبر من الإحباط، فتقفر يوما بعد يوم
إذ تبدو وكأنها مجرد عتبات لمصالح فردية عاجلة، لا علاقة لها بمصالح المجموعة ولا بالأهداف التي أسست لأجلها
والحال هذه، أليس الأجدى إسقاط صفة الانتماء والتحرر من أوهام الاتحادات ؟
لتظل الحرية والفردانية هي الطريق الوحيدة للكاتب الحقيقي بعيدا عن الهياكل الخاوية، التي لا يفيد الترميم والتجميل في إصلاح شروخها .