أنا.. والبحر.. وبول أوستر






البحر أطردني هذا الصباح... يعنف وقسوة، وأنا متجهة إليه بكل أملي وشوقي في أن يسندني ويعيد إلى الروح ذاك الجموح والتحدّي والعنفوان القديم، كلّ ما افتقدته خلال الأسابيع الماضية، وأنا أتمزق بين المشاغل والمخاوف وهواجس القلق.
قطعت الطريق، تجاوزت الأراضي العارية المهملة. أخيرا صعدت تلّة الرمل، وحيدة، مسرعة، في رياضتي المبكرة، لهفي في مشيتي إليه شّعت زرقته المعانقة المدى تنعش كل الحواس.
بحذائي الرياضي، أسرعت خطاي لتقطع الشاطئ الفسيح المهجور في هذا الصباح الربيعي المبكر.
فجأة، من بعيد، علا نباح.. وركض كلب إلي، من جهة الأراضي المتروكة خلفي، تاركا صاحبته البعيدة، واقفة أسفل التلّة، لا مبالية. كشّر في وجهي، فاتحا شدقيه، صارخا بالنباح.
لم تنفع دعوة صاحبته التي تقدمت متكاسلة، بضع خطوات. استجاب بعد لحظات.. لدعوتها. ركض نصف المسافة.. وعاد خلفي، يعدو، وشرر يقدحه صوته الكريه.
ظلت صاحبته واقفة, تدعوه من بعيد، لا مبالية بفزعي، وهو يدور حولي مكشرا، نابحا... لم أجد غير قارورة بلاستيكية مهملة لأرميه بها.
أخيرا، عاد إلى رفيقته التي نسيت كل حسّ حضاري. وأطلقت حرية حيوانها على شاطئ كان يدعوني للهدوء والراحة.
عاد الكلب إلى رفيقته، تاركا مكان نباحه ضربات متسارعة تطرق صدري.


ظل النباح يطاردني وفحيح كريه يخترق وشوشة الموج ودقات قلبي المتسارعة تعلو على هدير البحر وهبوب الريح. يسرع خطوي بمحاذاة البحر..
يركض بعيدا.. يطير مع الريح.. ولكن البحر ما عاد ملاذا، وقلبي الهشّ ينتفض كعصفور ذبيح.
ومع ذلك حين اتجهت صوب ملاذي هذا الصباح، كان الهدوء غامرا منعشا وكنت أتلمس دواخلي..
أستعيد قولة ريلكه – الشاعر الألماني - :
"ليس من الضروري أن تخرج من بيتك. لازم طاولتك واصغ، بل دع الإصغاء واكتف بالانتظار.. بل دع الإصغاء واكتف بالعزلة، فالعالم سيحضر واهبا نفسه إليك رافعا أقنعته ومنتشيا أمامك"، محاولة بذلك، التخلص من مخاوفي، بل من رعبي طيلة الفترة الماضية، رعب النضوب، رعب اندثار الدهشة .
ولكن النباح اللعين يطاردني، يفسد الرياضة الصباحية، يبدد متعة الروح والجسد .
عدت أتسلق التلّة، أقطع الأراضي المهملة، بقبضات الأعشاب والأحساك الطالعة من بين ركام ملقى هنا وهناك .
أقطع الطريق أخيرا إلى بيتي .

* * * *

لم أجد من ملاذ غير الكتاب .
هناك في غرفة مكتبي أمام الستارة السماوية المرفرفة على النافذة، وجدت البحر الذي أطردني هذا الصباح، يعيدني إليه، على شراع كلمات بول أوستر، الروائي الأمريكي. أخذت أقرأ كلماته - التي صادفتني – وأنا أفتح بعشوائية كتابا حديثا (1): ثمة مراحل.. أسابيع أو أشهر، أنضب فيها تماما، ولا أستطيع أن أجد ما أكتب، ثم فجأة تنتهي الأزمة، وأعود قادرا على الكتابة من جديد. ينبغي الكثير من الصبر ومن فن الانتظار لتخطي تلك المراحل المعتمة .
.. هل كان يتكلم نيابة عن قلبي الهشّ المرتعب الباحث عن أمواج تذيب رعبه وتطرد اللعنة التي تطارده وتنبح خلفه وتشعره بوحدته الهائلة رغم كل الضجيج حواليه؟
إن الكاتب لا بد أن يشعر بأنه منفي. إنها لعنة في معنى ما، إذ يشعر أنه وحيد ومستعبد. ولكنه ولد هكذا ولا يستطيع تغيير نفسه. هذه هي طبيعة الكاتب وهذه هي علاقته بالكلمات .
علاقة انتماء ومنفى على السّواء .
يضيف الروائي الأمريكي بول أوستر في حواره مع جمانة حداد صاحبة كتاب " صحبة لصوص النار ".
واصلت القراءة، نبضات قلبي بدأت تنتظم. والستارة السماوية الشفافة أمامي تموج وأقباس تتمايل على مكتبي، في خفر، تلاعب الظلال .
"أخيرا – بعد الرياضة والجريدة – أنزل إلى صومعتي. تكون الساعة آنذاك قد أدركت الثامنة. فأعمل حتى وقت الغداء .
أتناول الغداء في وقت مبكر. أتوقف عن الكتابة قليلا، وأتمشى ثم أعود وأعمل إلى نحو الخامسة بعد الظهر .
وبينما أتصارع مع الكلمات في الصباح فأكافح وأناضل لكي أقول ما أريده، لأنها، أي الكلمات تكرهني وتصدني، أعرف تماما ما يجب فعله عند ما أعود إليها بعد الغداء فأصحح ما أخطأت فيه. وأرى الأمور بوضوح أكبر، وأستطيع التحاور مع شخصياتي في شكل واضح .
يواصل بول أوستر صاحب "ثلاثية نيورك" (المنشورة بين 1985 - 1986) و "فن الجوع" و "اختراع الوحدة" ورواية "موسيقى الحظ" التي تحولت إلي السينما في حواره مع جمانة حداد .

كما تعرفين، للكتاب توقيته الذي يفرضه وعلينا احترامه، لا أن نستعجله وندفعه دفعا إلى الخروج من رحم الصمت

وبكل تواضع، يعلق على أحد الأسئلة، رغم قامته الشاهقة، التي جعلت بعضهم يصفه بالأسطورة :

" أحسّ دوما أني مبتدئ ".

هذا هو بول أوستر، التي لخّصت جمانة حداد تعريفه في كلمات: "رجل كثير الودّ، كثير الدفء، كثير المرح، كثير الموهبة، كثير الخفر" .
حين أنهيت الحوار الممتع، كان ضجيج قلبي الصباحي قد هدأ. وجدتني أكثر رضا بمنفاي.. بلعنتي.. تلاشى النباح والفزع.. وظلت جملة بول أوستر تتردد في خاطري "ينبغي الكثير من الصبر ومن فن الانتظار لنتخطى المراحل المعتمة" .
تركت كتاب "صحبة لصوص النار" جانبا، وعلى الورق الأبيض، أمام الستارة السماوية المرفرفة، عدت أكتب من جديد .


______________________




(1) كتاب "لصوص النار"، جمانة حداد، دار أزمنة