حلميّــات : حليم قارة بيبان والعالم المكسور

رواق “الصفصاف” بالمرسى والليل




من الباب الخشبي الصغير، تقابلني في الأعلى لوحاتك: عالمك المعروض للأضواء ولكاميرات التصوير، ليلة افتتاح معرضك.

.تستقبلني ابتسامتك وقبلتك على الخدين، قبل أن تتركني ماضيا إلى ضيوفك، لأدخل عالمك التشكيلي

مغترّة بمعرفة حميمة بك، بعوالمك، أتقدم باحثة عنك في آخر إبحار, في لغة البصر، ناشدة أحلام ريشتك ورؤى فرشاتك المضمخة دوما بزرقة الماء بمختلف تجلياته ورموزه وجماليته. أوليس “الماء التحول الأول للنار” كما يقول هيراقليطس؟ وأنت المتوهج دوما بنار الفن.

للحظات، تصدمني أجساد مفككة مركبة متطايرة في فضاء اللوحات، على أرضيات باهتة، رمادية أو مغمورة بألوان التراب، تحدها ألوان قاتمة. الأرضية
تؤطر المشهد أو تحده من اليمين واليسار، مقدمة عرضا مسرحيا سرياليا، ارتفع عنه الستار، وتوقف بدكانته على الجانبين يحرس جنون العرض (لوحة “ليلة أرق بالميناء القديم”). أجساد نساء ورجال شبه عارية, يتعلق بعضها بأعلى الستار المؤطر، شاخصة إلى الأعلى، هائمة، لا تمسكها حاذبية غير جاذبية الحلم، تؤلف من اللامعقول كيانا جديدا.

تثير فيّ شخوصك قلقا غامضا، إذ تكسر أشياء الذاكرة وتركب التناقضات.

أتقدم من لوحة للوحة. ينشب القلق أظافره أكثر داخلي: أحاول المشي متأنية في أديم عالمك، حافية، متحررة من كل أفكار جاهزة سابقة، فالعالم الذي أدخل يكسر بحذق ومكر كل ما سبق، إذ يقدم لوحة لا تكتفي بإغراء المشهد البصري إذ يتمازج فيها الفن التشخيصي بالسريالي بالغرائبي، بل تكسر طمأنينة المشاهد وتحرك دواخل الأعماق، مثيرة اللاوعي والمخيال، داعية لقراءة رموز اللغة البصرية وفك الرسالة المشفرة.

ومع ذلك، حنين ما، يدعوني، لأجول بين الألوان باحثة عن إشراقة ما… عن بهجة ألوانك القديمة… عن تلك الزرقة التي كنت تبدع بتدرجاتها العديدة وانكساراتها (أتذكر لوحة “أرق”؟) عن تلك الألوان الناريّة الصاخبة في   ربيع 1    ربيع 2 .

يوقفني من بعيد مصباح وحيد، يتأرجح، من السماء، في زرقة الليل الداكن. يدعوني إغراء المشهد في اللوحة الكبيرة، وجاذبية الألوان في تدرجها وتمازجها.

أتقدم من لوحة “السرير السكران”، لألقى سريرك، بنفس بياض لون المصباح. لا يستوي على أرض. يتمايل بين شخوصك العارية الغائمة… يشهد عالمك السريالي، بينما هناك، ظلّ طيف المدينة، بصومعته، بعيدا… بعيدا… يغمر أفقه البياض، يكاد لا يرى.

ألمحك قريبا. أختطفك من صحبك، سائلة عن عالم المسوخ الجديد الذي أغرقتني فيه. ضاحكا تجيب:

-إني ألعب!

وتضيف: – إنه عالم مضحك!… لا العكس.

هكذا قال طفل شاهد اللوحات.

وابتعدت أيها الطفل الكبير، هاربا من فضح أسرار اللعبة.

* * *

أعود أتقدم، أخط لي مكانا بين الزائرين، باحثة عن رسم أحط فيه، أتخفف من قلق ساحق زرعته في.

تحضرني قولة حسن بن عثمان عنك، وهو يخبرني بتخصيص غلاف مجلة الحياة الثقافية وملفها التشكيلي لك في نبرة إعجاب، تشي بتآزر المارقين.

“يا لذاك الفتى الشيطاني!

الآن فقط، أنا التي عرفتك، من أول رسم وأول حرف، أصدّق القولة.

* * *

قرب الباب يتعلق نظري بلوحة كبيرة يدعو عنوانها الذاكرة  مينائي القديم.

أتقدم واهمة إلى رصيف يشد أقدامي إلى مرفئك...

إلى زرقة وبياض طالما عانقتهما فرشاتك

ولكنك تدعوني إلى تجاوز سطحية الواقع.

تواجهني اللوحة الكبيرة بجمالية الفن وإغرائه الآسر، رغم صفرة المساء المعتق الغامر، تذكرني ببعض لوحات الفن الكلاسيكي، وقد اختفت كل الأشياء الأليفة: القوارب والصيادون وزرقة البحر. وظل اللون البني بتدرّجاته الكئيبة طاغيا، في مرآة الماء، في الأجساد والوجوه والأشياء الموزعة بكثافة على محيط اللوحة تسيج الماء في شكل شبه دائري. لا تترك له إلا إمكانية عكس الظلال لسور المدينة الداكن المقابل. وإذا “مينائي القديم” بحيرة مغلقة مسورة، تطل عليها من بين الوجوه المتراكمة عينا بوم وشبه جمجمة وتتطاير في سمائها الصفراء المسوخ.

لا أدري لم حضرتني وقتها عبارة ابن عربي، وأنا أمضي في شبه عتمة الميناء الذي فتح سبل الحلم ونوافذ اللاوعي: النور حجاب .

قد يكون… لأنك، من كآبة الظلال فتحت نوافذ نور داخلي.

* * *

ابتعد تاركة مكاني لآخرين، لقراءة لغة ألوانك ورموزك.

من بعيد ظلّ “مينائي القديم” – لوحتك الآخذة بحذق من كل الفنون – يسكب حزنه الغامض داخلي، رغم جمالية المشهد.

يلوح لي بألوان التراب في المقابر… ألوان الموت.

* * *

مع ذلك أتساءل أيها اللاعب المراوغ بالألوان والكلمات :

أين ألوانك القديمة؟

أهي التجربة، وقد نضجت، جعلتها أكثر تمازجا وهدوء، ورغبة في التجاوز والتحليق الموغل في الأعماق؟

أم دلائل ثورة قمعت وجنون قهرته أصفاد الواقع؟… حتى وأنت تكسر العوالم وتطير الكائنات، فتظل الحدود قائمة على جوانب اللوحة أو على جانب واحد، تحد ألوانها الداكنة الأرضية الباهتة، حيث تتوزع شخوص عالمك الرؤيوي.

أم هي الألوان قد شحبت واربدت كما شحب واربد وجه الدنيا؟

لتختفي ألوان البهجة وسماتها حتى وأنت تلعب بالدنيا وتكسر العالم.

* * *

أعود أصطدم بك… تبتسم… تلتف ذراعك بي… تأخذني لأقترب من اللوحة الكبيرة المعتمدة على “الكولاج” المهداة لروح نور الدين بن خذر، وتمضي كسمكة منزلقا بين الضيوف.

أتوقف أمام لوحة “وقفة قبل الرحيل”. على المساحة الكبيرة تعلو كلمة “قف” مقتطعة من جريدة معارضة.

بينها وتحتها تتناثر الوجوه والأجساد صغيرة طائرة ليكمل عبثك الصور المقطعة برسوم خطية… يقابلني في ناحية وجه نور الدين بن خذر الضاحك المتحدي الفناء… أتعثر في نصف جسد امرأة عارية منبطح على الثرى… تصدمني تقطيبة رأس صدام الرئيس العربي المخلوع… تتناثر الرؤوس على الأرضية حيث خطك الأسود المتوتر يقوده المخيال الإبداعي يكمل المقتطعات راسما في أسفل اللوحة على اليسار بلغة الضاد اسمك: “حليم” يتوسط اسمي والديك “حسن بن صالح قارة بيبان” و”حبيبة بنت التيجاني عزوز” صارخا بالهوية في وجه عالم يسعى لسحق الهوية وقطع الجذور .

* * *

يهديني النادل كأس شراب ولكنه لا ينسيني عالم التناقضات والانهيارات الذي رميتني فيه.

وأنا أرفع الكأس إلى شفتي كان فأر يرمقني بركن اللوحة المواجهة بينما ارتفع آخر في عالم سريالي في الفضاء فوق المائدة العامرة في لوحة “العشاء الأخير والتفاحات الاثنا عشر” المحيلة على قصة المسيح قبل صلبه.

من “العشاء الأخير”… إلى “ليلة أرق بالميناء القديم”… إلى “تصورات”، يطاردني ذاك الحيوان الصامت الصغير في ركن ما مستتر أو واضح في فضاء الألوان، يذكرني برسم خطي قديم أهديتنيه يوما على ورق أبيض لكتاب كنت أعده للنشر.

كان الرسم لمقهى “سيدي بوسعيد” العالي (وجه سياحتنا المضيء) وعلى درجه، كان يقبع فأر في صمت ماكر خفي.

عقد مرّ من الزمن أو أكثر، وإذا حيوانك، المتلصص المتخفي يعود، يتبجح، مقتحما ألوانك، طائرا في سماواتك، يثير السؤال

لم تصرّ الفئران القاضمة على أن تسكن لوحاتك، وتطير في فضائك؟

أهي الرموز القديمة الواعدة بالخراب القادم؟ مذكرة بزمن الطاعون؟

أم أن الرموز صارت حقائق الواقع الحالي وأعمدة العالم الجديد. وإذا القطط التي كانت تركض بين أرجلنا – صغارا – وتحت موائد طعامنا، صارت تفرّ من الأرض لتركب غيمة، تطلّ من عل، بعيونها الحادة، على عالم المسوخ الجديد.

أم هو الحلم، يفتح نوافذه على ما يريد، إذ تتسلح به في عوالم الألوان “لأنه وحده يترك للإنسان جميع حقوقه في الحرية” ؟! كما جاء في مجلة الثورة السوريالية عدد 1.

* * *

عدت أجول بين الزائرين، لوحات بعينها تدعوني لأعود إليها. تطيل وقوفي أمامها.. وإذا جمالية آسرة تتبدى كلما أبحرت في عوالمها… “المشكال” .. “السرير السكران”.. أو “مينائي القديم”، رغم الأسى الذي تشيعه هذه اللوحة في الأعماق.

* * *

أجدني في أغوار عالم آخر، يؤكد، أنك، أيها اللاعب الكبير، قدرت على تكسير العالم وإعادة تركيبه من جديد حسب رؤيتك وأحلامك وكوابيسك، مغتنيا بتجربة عرفت الشعر والسينما وفن المعمار. واعتمدت تقنيات مختلف الفنون، لتكون المعالجة واعية، ماهرة، مغرية.

نعم! لقد لعبت بالعالم المكسور! ولكن، أفلتت من لعبك، نافذتنا المستطيلة الصغيرة، ونخلتنا الرفيعة السامقة، ومرآة أمنا العتيقة، وطيفها المنحني الحزين في زاوية صغيرة معتمة، يكاد لا يرى، وطربوش أبي، وعلم بلادنا يحمله طفل في ركن خفي من ستار المسرح القامع ثورتك.

وظلّ رأس سريرك الخشبي العالي، في بياض اللون أو سماويته يسكن عوالمك، في ركن صغير من اللوحة.. أو متوسطا المساحة الملونة، عاليا، بهيا، يحرس الأحلام الطائرة في شبه تهويمة دائرية، تحيلنا إلى بعد روحاني شرقي، يذكّر بحركة الأجرام السماوية كما في تلك اللوحة الرائعة  المشكال.

يشهد ذلك السرير، أن الذاكرة التي كسرها لعبك، تمسك منك الأعماق، مهما لعبت بالأجساد والأشياء، بالألوان والعالم، تظل الذاكرة الجمعية أو الفردية، تؤصل فنك الثائر على الذاكرة، الخلاق لعالم رؤيوي خاص وفريد.

ومع ذلك أخرج من عالمك… من أسى موجع يجمّله الفن، لعالم مكسور، هاربة، إلى الليل البارد، لأركب من شظايا عالمنا المصلوب على الجدران عالما آخر.. تشكّله الكلمات.

_______________




* Karabibene Halim

*الطاعون: رواية لألبير كامو   



جريدة الصحافة