الكاتبـــــــــة حفيظـــــة قـــــــــارة بيبــــان
تبــــــوح فـــــي كتــــاب جديــــد بـ أجمــــل الفضائــح







الأديبة حفيظة قاره بيبان تكتب القصة منذ السبعينات وبدأت تنشر إبداعاتها في كتب عام 1984، حيث أخرجت لنا مجموعة قصصية بعنوان «الطفلة انتحرت» ثم أخرجت مجموعة من النصوص بعنوان «رسائل لا يحملها البريد» عام 1989، وفي سنة 1993 نشرت مجموعة قصصية عنوانها «في ظلمة النور» لم تترك قراء الأدب التونسي محايدين بقيمة ما تضمنته هذه المجموعة..وقبل سنتين انخرطت في كتابة الرواية وأخرجت لقرائها نصا طريفا بعنوان «في دروب الفرار» نالت به جائزتين هما جائزة كومار للرواية الأولى وجائزة الكريديف
من المؤكد أنها في قصصها موجودة بأسلوب التخفي وراء شخصياتها التي تبتكرها، وفي عمل الأحداث التي تصنعها أو تتخيلها..وما الطفلة التي انتحرت إلا بنت البحر
في قصصها، وفي روايتها الوحيدة إلى حد الآن نكتشف جوانب من حياتها..ونرى عبر كل كلمة خطتها مشاهد من عالمها..ونتصور المرأة التي تريدها..ونعي المشاكل التي تزعجها ونتضامن مع نضالاتها لفائدة المرأة فضلا عن التعرف على الأماكن التي وضعتها بدقة وخاصة عبر دروب الفرار
ومع ذلك لا يمكن أن تدعي أن قصصها وروايتها..ونصوصها الأدبية والنقدية هي صورة عنها..أو ترجمة ذاتية لها..فالكاتب ولو كان ملتحما بكل ما كتب يبقى منفصلا عن كتاباته الإبداعية..وبالتالي لا نتعامل إلا مع أبطال القصص ولا نتناقش إلا مع شخصيات الرواية. لكنها في هذا الكتاب تكشف عن جوانب حقيقية من حياتها خاصة منها الثقافية والإبداعية..إنها بداية لكتابة ترجمة ذاتية، وهو بوح لما أرادت الآن أن تبوح به..وقد جاء البوح بعنوان أجمل الفضائح
عنوان يقوم على تناقض، فهل الفضيحة جميلة؟
نعم، إن الأديب المبدع قادر على جعل الفضيحة، أية فضيحة، قطعة أدبية رائعة
الحقيقة أن حفيظة قاره بيبان، هذه المرة، لم تكتب لنا مجموعة قصصية..ولا رواية..ولذا لا يمكن أن نقول بأنها نشرت قطعة أدبية رغم أنها صاغت بوحها بشكل أدبي وابتعدت أكثر ما يمكن عن أسلوب المذكرات، ونأت بقلمها عن عالم المقالات الاجتماعية أو الأدبية..وخرجت عن روح الريبورتاج الصحفي
لقد باحت لقلمها بما أرادت أن تبوح به في أسلوب قصصي، واعتمدت على سرد روائي، وإذا ما انطلقت من الصفحة الأولى في القراءة دون انقطاع للوصول إلى الصفحة الأخيرة فإنه يمكن لنا أن نعلن بأننا قرأنا رواية في موضوع واحد متعدد المشارب والأحداث والأمكنة. لكن هذه "الرواية" حقيقية..فالأحداث حقيقية والأماكن حقيقية والشخصيات التي تحدثت عنها أو وصفتها حقيقية
بدأت كتابها بحديث جميل، هو حديث الروح للروح عن روايتها الأولى التي خرجت من مصلحة الرقابة يوم الهجوم على العراق..ويوم دمار بغداد..ويوم أن نزلت دموع الصادقين المخلصين من العرب وهم يرون الدبابة الأمريكية تدخل جسر الجمهورية
فأية علاقة بين الرواية..وسقوط بغداد؟ فهل هي تريد القول بأنها لم تفرح بروايتها بسبب الحزن العربي الكبير، أن أنها تشير إلى أن ما تحدثت به في روايتها قد يكون من أسباب هزائمنا المتكررة ومآسينا المدمرة
على كل للقارئ تأويله..وقراءته لخطابها الذي لا يفلت منا ولو كان النص إبداعيا جميلا يغلب عليه الشعر
وفي فضائها حديث عن أول يوم ذهبت فيه إلى نادي القصة لتعرض نصوصها الأولى، وهو اليوم الذي تعرفت فيه على الشيخ محمد العروسي المطوي
وحديث عن سفرياتها إلى إسبانيا وبالتحديد إلى الأندلس..وحديث عن رحلتها إلى القاهرة
وفي الكتاب حديث عن والدها المسرحي المثقف ذلك الزيتوني الذي وقف إلى جانب المرأة وساهم بكتاباته في النضال الوطني وحديث آخر عن الملتقى الذي تنظمه بنزرت إحياء لذكراه
وضمت حفيظة إلى الكتاب مجموعة من النصوص عن تجربتها القصصية والروائية شاركت بها في ملتقيات داخل الجمهورية لإبراز أسباب اختيارها الكتابة..أو قل أسباب اقترافها ذنب الكتابة الأدبية
وفي هذه القصص بوح آخر من نوع آخر هو كتابة في الكتابة وهو شهادة ذاتية على «ذنوب» اقترفتها وهي ذنوب جميلة مثل فضائحها
وختمت كتابها بمجموعة من النصوص الشعرية من إبداعها لها علاقة وطيدة ببوحها بل قل هو الشعر الذي كتبته عنها وعن بعض ما عاشته وبالتالي هو من فضائحها الجميلة
وفي كلمة، إنه كتاب جميل وفضائح جميلة تعني كل الذين يردون التعرف عليها بالفعل..وهذه دفعة أولى من فضائح قد تتلوها فضائح أخرى أجمل وأكثر عمقا وحفرا في الذات





محمد بن رجب
الصباح 30 نوفمبر 2006