دروب المواجهــــــة فــــــي دروب الفـــــــرار
للكاتبة «بنت البحر» حفيظة قاره بيبان

بقلم : مسعودة أبوبكر





أخيرا، طرقت حفيظة قاره بيبان باب الرواية بعد أعمالها : ـــ الطفلة انتحرت ـــ قصص ـــ رسائل لا يحملها بريد ـــ نصوص شعرية في ظلمة النور ـــ قصص
وهي المؤهلة لذلك وخوض غمار هذا اللون الأدبي السردي لما تشي به أعمالها آنفة الذكر من صبر على الكتابة ونفس طويل ورحابة خيال وشعرية اللغة وحين ينضم لكل هذا الوعي الحاد بضرورة الإفصاح يطلع العمل مشحونا بالصدق، متشكلا عبر بنية فنية تنضح بمساءلة التفرد
لا تدعي هذه القراءة أنها تناول نقدي إيمانا مني بما قال د.عباس عبد الحليم عباس «حين يكون الإبداع رؤية عميقة للوجود، لا بد أن يكون النقد فحصا أشد عمقا لهذه الرؤية» هي قراءة تتنزل في إطار وجوب التفافنا حول إبداعات وليد هل للوجود نستقرئ على وجهه ملامح الغد وشارات الاستمرار وحفظ السلالة في انتظار أن يواكب النقد جديد الأعمال

***

تفسح رواية «دروب الفرار» مدخلين : مدخل للمضمون وآخر للشكل أو البناء
عبر بوابة الشكل يلمس القارئ بحث الكاتبة في هذا النص عن صيغة جديدة للطرح الفني بعد تجربة في القص والنثر الشعري، فقد جعلت الرواية في جزئين يتضمن كل جزء هوامش مرقمة ومذكرات تعود لشخوص رئيسية في النص وأخرى ثانوية

ـــ مذكرات أمير / شخصيته رئيسية
ـــ مذكرات شرود / شخصية رئيسية
ـــ مذكرات خالد الحديدي / شخصية ثانوية
ـــ مذكرات من الملف الطبي لشرود سليمان / عنصر ثانوي

فيما يتخلل النص تداعيات بنفح شعري سنجدها تتكرر في نسيجه موازاة مع مقاطع من أغاني عربية معروفة وهذا استثمار للخطاب الشعري والموروث الغنائي في الرواية بصفتها «نص حر يتضمن ويستفيد من كل الأشكال التعبيرية» كما نلمس استعمال الكاتبة لتقنية سينمائية في صياغة المشهد ودقة وصف مكوناته فتضعنا بذلك أمام مشهد قائم يتمسرح لعين المتلقي محفوفا بتفاصيل الصورة المرئية ولنا في النص أمثلة كثيرة نذكر منها

مشهد رقم 1 ص 22
كانت الشمس تلتهب وشرود أمام النافذة في منامتها القطنية الطويلة والقضبان واقفة في وجه الأشجار العالية الممتدة أمام المصحة

مشهد رقم 2 ص 31
فتاة(...) نحيلة سامقة (...) تسير في موكب النساء بالقبقاب اللماع الرفيع المحلّى بتشابيك الفضة تصعد غصونا مورقة مزهرة على الخشب المطلي اللماع حتى القدم و«التقريطة» الحمراء المخططة المسدلة على الوجه النقي والسفساري الحريري المهفهف يحضن الجسد

مشهد رقم 3 ص 90/91
نتحلق حول الخالة فريدة وقد احتضنت عودها. تأخذ نبيهة الدف ترفعه في الهواء وتنقره نقرة خفيفة إيذانا بالبداية ترتفع الأصوات العذبة على أنغام العود بالغناء.. «أليف يا سلطاني» يقوم أمير على أطراف أصابعه ينبثق وسط الحلقة كلسان نور يطلق يديه للسماء..يدور متبعا الإيقاع دورة سريعة كاملة طائرا في الفضاء..يد في السماء والأخرى تمسك الخاصرة..تضرب الرجلان الأرض بخفة الغزال وينساب الجسد الصغير خفيفا شيقا مع الغناء طيفا ملائكيا يغازل النغم

مشهد رقم 4 ص 192/193
كانت تمطر..والكرنيش وقت المطر خالي الضفاف والبحر البادي من نافذة بيتنا خلف شجرة التوت غامض الألوان يتقلب في إغراء (..) أمضي إلى الشجر أجول في البستان وخيوط المطر الرقيقة تمسح وجهي وشعري ناعمة مع بدايات الخريف وروائح الأرنج والبرتقال تفوح..أنادي الحلازين بتلك الأغنية التي يخرج بها للصغار
حل عيونك يا بوزيد أخرج ولا يجيك الصيد» أشاهد حلزونا عند عنق شجرة التوت يخرج رأسه يفتح قرنيه ويقترب مطيعا..ألتفت، أرى أخي الصغير خلفي قد تسلل من الدار يدعو مثلي الحلازين حاملا سطله البحري الصغير الملون
هذا ويلاحظ القارئ تقنية الكولاج والمونتاج في ما ضمنت الكاتبة نصها من قصاصات لأخبار صحفية. تمكنت هذه الآليات الفنية من كسر رتابة السرد والنمطية وشكلت مع اللغة المتناغمة وشعرية النص سداء للأحداث لا يمل المتقبل من خلاله عملية التلقي رغم المناخ الشجني الذي شد النص إلى إساره
أما المدخل الذي يستأثر بالتمعن فيعبر إلى بوابة المضمون إلى زبدة الوعاء وجوهر المقصود وينطلق التمعن من عنوان الأثر..«دروب الفرار» فقد ورد على صيغته مضاف ومضاف إليه ووردت «دروب» في صيغة الجمع، والفرار حالة ناجمة إما عن الخوف أو رفض أو يأس وعجز أو حالة قصوى من كل هذه مجمعة تستدعي لا دربا واحدا للفرار بل دروبا لضمان النجاة عبر أحدها
تنهض الرواية على بؤر صراع تمثل فيها الشخصية البطلة «شرود» عنصرا مركزيا يشد إلى نسغه خيوط الصراع وأحداثا شائكة قوامها صدامات نفسية ووشائجية ومفاهيمية
كانت الصدمة الوشائجية الأولى حين انتقلت شرود بالزواج إلى بيت أهل زوجها وهو بيت عتيق تقيم به نسوة تقف منهن بمفاهيمها للحياة على النقيض إذ تختلف اختلافا جوهريا عميقا عن نمط العيش في دار أهلها حيث تقوم جملة من العلاقات الأسرية الموسومة بجمالية متفردة سواء في وشائجها الاجتماعية أو العقائدية وطقوسها الحياتية والأهم من ذلك التربية الدينية غير المتزمتة خلافا للروح الدينية السائدة بين نساء الدار العتيقة باعتناقهن عن جهل لمفاهيم مشوهة تشتعل فيها القيم في أتون الحرام والحلال تسطر لهن خارطة تحرك وسلوك واعظات في الدين يترددن على الدار ودروس مسموعة تملك كل شاردة وواردة في حياة نساء الدار. تقول الكاتبة ص 94 : «لم هجم فجأة كل هذا التدين وكل هذا الحرام؟ أيعقل ألا يكون هذا إلا مجرد تدين بريء غذته الكتب الصفراء التي نفض عنها الغبار؟
ولم الآن بالذات؟ لم يحدث هذا(..) تتوق إلى الارتفاع لفتح النوافذ والأبواب للنور وكسر جبال الحرام الطالعة فجأة كسرطان مهول في قلب المدينة والارتفاع إلى السماء والإسراء إلى ذلك الإله الذي عرفته طفلة إله رحيم يدثرنا برحمته وتقربنا منه موسيقى الوجود
يحاصر هذا المناخ حياة البطلة شرود، هذه التي يلتقي اسمها بدلالته بالعنوان، فتقف من الأحداث حولها كالواقف في حيرة عند متاهة مخطوف الذهن شاردا ذاهلا في أتون من الأسئلة الحارقة بشأن علاقة الإنسان بربه وحقيقة الدين السمحاء وتغوص شرود في المقارنة بين ما تربت عليه من مفاهيم وبين ما يحاصرها ويقوم خارج حدود الوعي والمنطق
ويكون الصدام الثاني بموقف زوجها خالد الحديدي هذا الرجل المتعلم الذي طالما نظرت إليه بعين الوله والإعجاب والإكبار ثم باتت تشعر أنه ابتعد عنها بلا مبالاته مما يحدث وتعاطفه أحيانا، بل غالبا مع نسوة الدار ودحرها إلى غربة داخلية ومتاهة من الخيبة والشجن
لم يغير حرصها على متابعة الدروس والعمل في الحقل الإعلامي شيئا من واقعها، كما لم تغير من خيبتها أمومة باغتتها ولم تكن ترغب بها في مثل الظروف التي تحيطها
يقابل كل هذا المناخ الخانق العنصر الفاعل المناقض لما يحدث في الدار العتيقة الشبيهة بمعمارها بقلعة وهو أمير شقيق شرود الشاب الطالب الذي يفيض حياة وتكن شقيقته له من الحب الكثير وهو متمرد يحلم بمستقبل مغاير لبلده ووضعه آنذاك (بداية الثمانينيات) متشبع مثل الكثير من مجايليه بقيم «شي غيفارا» وأشعار «بابلو نيرودا» و «محمود درويش» يشغله مصير الإنسان وتثيره دوامة العقائدية المشوهة التي يشتم خطرها حول شقيقته تلك التي تشده إليها فضلا عن علاقة المحبة الوطيدة ذكريات الطفولة الحلوة وأحلام مشتركة أهمها «اللحن المنتظر» هذا الذي وعدته بإنجازه ذات صفاء، شرود ولم تسعفها الظروف بتحقيق ما وعدت
كان أمير النافذة الوحيدة الخالية من القضبان والتي تنفتح على مصراعيها في قلعة شرود لتنشق غمر الأكسوجين وتنعم عيناها بنور الشمس..يظل مترددا عليها في قلعتها المعتمة يحمل إليها عبق الذكريات الجميلة ونفحات من الشعر الذي يشدها إلى عذوبة الحياة ووهج الروح حتى غاب عقب اضطراب وثورات طلابية وأحداث مأساوية عرفتها البلاد في مستهل الثمانينيات فكانت الصدمة التي أطاشت بعقل شرود فتدهورت حالتها الصحية والنفسية وقد أصبحت أما واشتدت بها حالة الاختناق التي أدت إلى الانفجار وطوحت بها حالة مرضية جعلتها لا تمارس أمومة عادية فيضيع صبيها من حضنها ويموت في غفلة منها مختنقا بلبنها
إن هذه الصورة..صورة الأمومة المشوهة لذات بعد دلالي مقصودة من الكاتبة حسب ما يفهم من مناخ الرواية أرادت أن ترمز بها للوطن..حين يصبح الوطن المقترن في تشابيه متعارف عليها، بالأم وبالرحم وبالتالي ما هذه الصورة التي تصدم تقبل القارئ إلا صورة للوطن حين يصبح في فترة من الفترات العصيبة خانقا لأبنائه وعوض أن يدر عليهم بلبان الحياة يسقيهم الموت والقهر والغبن
كانت شرودتحمل بعلتها واضطرابها وهشاشتها، علة البلد..وجه المدينة العليلة المختنقة التي تنتظر يدا تحمل لها العافية
لقد سقطت الأحلام من حياة شرود في منعطف الصدامات المتتالية أول الحلم كان الحياة في عش زوجي مستقل قوامه الحب، ثم امتلاك آلة عود تعزف على أوتاره اللحن الموعود من أجل أمير، من أجل روحها المسكونة بالجمال في علاقاتها الحميمية مع الإله والكون والناس..تكسرت أحلامها على صخور الحرام والحرام ثم الحرام..تفاقم هذا المفهوم وسلطانه في محيطها وطقوس نساء الدار وتفكيرهن المعلن والمضمر بشأنها..وكانت غريبة بموقفها الهش..بصمتها وهروبها وهي المثقفة. لقد ضاع منها الاطمئنان وانقلبت منها الحرية وحميمية مشروعة منتهكة. كانت شرود في دوامة إعصار من اختلاط المفاهيم والإحساس بالاغتراب والخيبة ومع ذلك كانت على قدر من الوعي جعل قضايا الإنسان والشعوب المضطهدة تنعكس على صفاء عيشها..تحمل هم فلسطين وما حولها من جراح الأمة العربية..ظلت تستقبل أحداث العالم وتشنجات الوضع السياسي العام والاجتماعي بوعي مشحوذ وصدر مختنق وزادها علة تفشي النظرة القاتمة للدين والمفاهيم الخاطئة التي نمت كالفطر تشوه الشريعة كظاهرة خطيرة في زمن التشوهات القيصية والعلائقية تشوهات تطال الإيمان النقي وفق شريعة أقرها الدين الصحيح
فكان الجنون..مهربا للنفس المهيضة دربا شائكا للفرار..حالة من الشلل والإحباط لعزيمة تجاوزتها الخيبات أول الفرار جنون..ولكن، هل تقبل السماء بأن تجن العقول الراعية وأن تتكتم مختنقة الصدور المؤمنة؟
إن للحياة طقوسها وأحكامها، الحياة التي تعني الأمل والثبات والتواصل والبناء والصراع..هذه الحياة لم تنغلق أمام شرود العليلة..إن سر الحياة الأعظم يغني لها..ظل البحر يغني لها..يعزف لها اللحن الذي لم نتمكن من إنجازه..«ظل البحر يغني لها..لا يكف عن الغناء» يمسح جراحات نفسها، يطهرها من شوائب الجنون والخيبات..يشحنها بالقدرة على الاستمرار فربما تبعث شرود هذه الشخصية المثقفة الجريحة بوعيها الحاد المحبط
لقد اختارت حفيظة قاره بيبان عبر هذا العمل الجاد الشيق موضوعا جريئا حارقا يلسع وعي المتلقي ويربك اطمئنانه. موضوع يشي بنضج حاد وانفتاح على الهموم الحادة في الوطن الكبير وحريق الأسئلة..أسئلة الراهن المتقدة تخترق التابو. نحن أمام الكتابة الموقف..كتابة تنغرز في الجرح لتعريه بلا مواربة..وهذه هي الكتابة الحقّة. إنه لا يكفي أن تكون الكتابة زخرفا لفظيا أجوف أو هدهدة للوجدان وتخديرا للوعي.. إن «دروب الفرار» هي في الحقيقة دروب المواجهة المعتلية صهوة الرفض والتشهير والإدانة رغم كثافة الشجن وسعة الحزن والتأسي الطاغية





دروب الفرار رواية لحفيظة قاره بيبان 10/06/2003