فن الرّواية وروايــة الفـن
الموسيقـى والغناء في “دروب الفرار” لبنت البحر

 كمال الرياحي-12 مارس 2007



همست لك : إني أعشق الغناء… تذيبني الموسيقـى
قلت لي : “إذن، غني لي!… لي أنا فقط ! أنا أيضا أحب الغناء ”
دروب الفرار


وشائجُ كثيرة تلك التي تجمع الرواية العربية المعاصرة بالفنون الأخرى فإلى جانب الفنون الأدبية المعروفة كالشعر والمقامة والرحلة والمذكرات واليوميات والتي وظفتها الرواية بإسهاب في نسيجها السردي، إلى جانب ذلك، ربطتها علائق حميمية مع الفنون الأخرى، فغازلت فن الرسم وفن النحت والفن الرابع (المسرح) والفن السابع (السينما) وثامن الفنون (التصوير الشمسي) وفن الرقص وفن الموسيقى
تطورت هذه العلاقات وأصبحت ظواهر سردية لافتة بعدما احتد وعي الروائي العربي المعاصر بضرورة تلوين نصوصه بمناخات جديدة ودفعها نحو عوالم إبداعية أخرى لتدخل معها في حوارية فنية من شأنها أن تنتج نصا حداثيا مختلفا يقطع مع تلك الأجواء والمناخات التقليدية التي كرستها الرواية الكلاسيكية
والحق أن الرواية لا ترتكب بهذه الممارسة خطيئة أو انحرافا لأنها أصلا لا يمكن إلا أن تكون حوارية، إنها فن التنوع بامتياز. وفن الاحتواء بلا منازع فهي الجنس الذي “يميل إلى ابتلاع جميع الأنواع الأدبية الأخرى تقريبا، بل ابتلاع فنون أخرى”1
ورواية “دروب الفرار” لصاحبتها حفيظة قارة بيبان، واحدة من بين تلك الروايات العربية الكثيرة التي نهلت من تلك الفنون وجعلت منها أدواتها السردية حينا ومؤثثة بها عوالم متنها في أحايين كثيرة، وسنحاول في هذه المقاربة أن نتقصى بعض مضارب التوظيف الفني للموسيقى والغناء في تشكيل النسيج السردي لنص بنت البحر الروائي
الموسيقى لغة العالم” جبران خليل جبران
تمثل الموسيقى أهم الفنون التي حاورتها رواية “دروب الفرار” ووظفت أدواتها ومناخاتها، وهو ما يذكرنا بتلك العلاقة القديمة والأصيلة بين فن الرواية وفن الموسيقى عموما، تلك العلاقة التي أكدها الروائي والناقد الفرنسي ميشال بوتور (M. Butor) في مؤلفه “بحوث في الرواية الجديدة” إذ أثبت وجود علاقة جدلية بين الفن الروائي وفن الموسيقى حيث يقول
إن الموسيقى والرواية فنّان يوضّح أحدهما الآخر ولابد لنا في نقد الواحد منهما من الاستعانة بألفاظ تختص بالثاني”
2
ويذهب في ذات المؤلف إلى الإلحاح على هذه العلاقة فيرى أنه على “الموسيقيين أن يكبّوا على مطالعة الروايات، كما يجدر بالروائيين أن يكونوا مطلعين على بعض المفاهيم الموسيقية وقد شعر بتلك الحاجة كبار الفنانين”3
بينما يؤكد الفيلسوف الألماني لوسينق على اشتراك الرواية والموسيقى في الطبيعة الزمنية التي تميزهما على بقية الفنون ذات الامتداد الفضائي
إن الرواية هي فن الزمن؛ مثلها مثل الموسيقى، وذلك بالقياس إلى فنون الحيز كالرسم والنقش”
4
إذ هذان الفنان إلى جانب فنون العمارة والمسرح والنحت يتطلبان فضاءات لإنجازهما وأحيانا خامات محددة كاللوحة للرسام ومساحة الأرض للمهندس المعماري والركح للمسرحي والرخام للنحات
ولكن خلافا لذلك لا تتطلب المقطوعة الموسيقية لإنجازها ومثلها الرواية، مساحات مكانية، إنها فعل تصريف الزمن والتلاعب به والتحكم في سيولته وتسلسله. وهذا نفس الرأي الذي نجده في كتاب “عالم الرواية ” (L’univers du Roman) لصاحبيه رولان بورنوف وريال أوئيليه
تعارض الرواية [...] الفنون المكانية كالتصوير والنحت. وتعد قبل كل شيء فنا زمانيا تماما مثل الموسيقى”
5
حاول الناقد والروائي السوري الكبير نبيل سليمان تحسس هذا المبحث في كتابه “بمثابة البيان الروائي” وتساءل في غضون ذلك البحث قائلا: “الزمن للموسيقى ميزان، والسلم الموسيقي هو الذي يحدد الزمن، فكيف يكون الزمن للرواية ميزانا أو واحدا من الموازين، والسلم الموسيقي يكتب الصوت فيما يكتب السلم الروائي الحدث والشعور والوصف والرسالة… فكيف يمكن أن ننسج علاقة بين السلمين ؟”6
ترسم بنت البحر في روايتها شخصية شديدة الولع بالموسيقى والغناء، وهي “شرود”؛ فتاة حالمة غارقة في رومانسية الشعر والأنغام، تحلم بامتلاك آلة موسيقية – العود- وتعلم العزف ومواصلة الغناء. تعيش شرود في فضاء أسري مشجع، بتفتحه، على إنجاز هذه الأحلام المشروعة، فكانت تتدرب على العزف والغناء من حين إلى آخر في معهدها وكانت تأمل أن تكبر وموهبتها لتلحّن قصيدة لشقيقها الذي بدأت موهبة الشعر تتفتح داخله، في هذا الطقس النفسي والأسري والاجتماعي المتناغم يظهر شاب وسيم هو خالد الحديدي ليتزوج شرود بعد أن وعدها بأن يحول أحلامها الموسيقية
 والمعرفية إلى واقع… ولكن انتقال شرود من بيت أسرتها إلى بيت زوجها وأسرته أجهض أحلامها وذبحها. فقد اكتشفت أنها استبدلت بيت الحنان والجمال والأنغام ببيت البرود والتحريم والصمت، لقد غيرت بيت الحياة الدنيا ببيت الآخرة والموت: آخرة دميمة مسكونة بالكوابيس والظلام. ظلت شرود تصارع من أجل أن تجد للحنها نجاة ولكن تزداد الأوضاع توترا لينقلب بيت الآخرة إلى جحيم، فقد سلبها اسمها بعد أن سلبها حلمها لتتحول شرود إلى راضية، ثم يطال الفقدان عقلها لتصبح نزيلة مستشفى الأمراض العصبية، ولم تصل الشخصية إلى تلك الوضعية إلا نتيجة إصرارها على مجابهة
 ذلك القدر الذي ابتليت به وفرض عليها ليغتال فيها الحياة والحلم ويسكت لحنها
هذا هو الدافع الأول للحديث عن الموسيقى في رواية “دروب الفرار” أما الدافع الثاني فهو تردد كلمات من السجل الموسيقي على امتداد الرواية حتى تحولت هذه العبارات إلى أحد مشكلات القاموس الروائي لحفيظة قارة بيبان ومن هذه العبارات : النغم، الطرب، اللحن، الأغنية، النشيد، الصدى، الشدو، العزف، الأوتار، المألوف، العود، الأورغن… الخ
ولاحظنا أن هذه الكلمات تستعملها الروائية أحيانا في موضع استعارة أو مجازات لغوية مثل قول الراوية
خالـد يصـرخ بـي أثـنـاء نقـاش حول كتاب تاريخ غرناطة : “الفن ضيع الأندلس” وأراه يخشى لحني يضيعني، فأخبئ لحني بين أضلعي” (ص 140 )
إنّ هذا التحويل لكلمة “لحن” من موقعها الذي وضعت له لخدمة معان أخرى كمعنى الحلم والطموح لدليل آخر على شدة تعلق الشخصية بالموسيقى التي سكنتها بكل حواشيها ومناخاتها الروحية واللغوية …
أما الدافع الثالث والأهم للنظر في حضور الموسيقى في الرواية فهو “المتناصات” الغنائية، إذ تنهض الأغنية واحدة من المشكلات الأساسية للخطاب الروائي في نص حفيظة قارة بيبان، ومثلت تلك المقاطع الغنائية أهم المتناصات التي أثثت بها الكاتبة روايتها، ففاق عددها العشرين مقطعا .
وإذا تركنا مضامين تلك الأغاني جانبا ونظرنا في ما يمكن أن تحدثه هذه المتناصات في بنية الرواية ومتنها للاحظنا أن حضورها كان أشبه باللازمة الموسيقية التي تتكرر بين مقطع سردي وآخر. فيقف القارئ أمام جملة من المقاطع السردية تقطعها أو تنظمها مقاطع غنائية في شكل تناوبي

وتتسلل أحيانا الغنائية إلى المقطع السردي حين يُغمس النثر في الشعر ليتحول الخطاب السردي إلى خطاب شعري دون أن يخرج ذلك التلوين النص من جنسه مما يذكرنا باقتراح ميلان كونديرا (Milan kundera) في “أن تتحول الرواية في مقاطعها التأملية من وقت إلى آخر إلى غناء”7
لقد أحدثت هذه المقاطع إيقاعا خاصا في الرواية انعكس بالضرورة على عملية تلقيها
أما في مستوى المضامين فإن التدقيق في هذه المقاطع الغنائية يكشف أن حفيظة قارة بيبان لا تتعامل مع ثقافتها الغنائية في الرواية بشكل عفوي ولا تطمح بإقحامها هذه المقاطع إلى تضخيم حجم الرواية، أو هي ممارسة من قبيل الرومانسية الساذجة كما قد يعتقد القارئ المتسرع، على عكس ذلك تماما، نحن في نص “دروب الفرار” أمام نتائج بحث ربما أخذ من كاتبته الوقت الكثير حتى تتمكن من انتقاء المقاطع الغنائية من بين ربما، مئات المقاطع الأخرى، التي لا أحسبها إلا رابضة في مسودات العمل وربما لو كشفتها لنا صاحبتها لكنا تحسسنا التطورات الجينية للنص، ما يهمنا
 هنا هو أن الروائية وظفت تلك المقاطع الغنائية بطريقة واعية جدا، فكانت تضع المقطع الغنائي المناسب في مكانه المناسب من النص الروائي ومن تطور الأحداث ومن الحالة النفسية الشخصية حتى تحول النص إلى ما يشبه اللوحة في لعبة “البازل” تشكل تلك المقاطع الغنائية صورتها بينما يشكل السرد خلفيتها
تنوعت المقاطع الغنائية وتلونت بما يستجيب للموقف وللحدث، فبعضها جاء طربيا والآخر صوفيا ذا طابع ديني والآخر “ملتزما” ويمكن أن نمثل للطربي الرومانسي بتلك المقاطع التي استعارتها الروائية من أغاني أم كلثوم وعبد الحليم ونجاة الصغيرة وفريد الأطرش، ويمكننا التمثيل للطابع شبه الصوفي بمقاطع المالوف التونسي بينما نمثل للأغنية الملتزمة وللأغنية السياسية بما أوردته الكاتبة من مقاطع للشيخ إمام ولمارسال خليفة، دون أن نهمل حضور الأغنية الغربية الرومانسية التي مثلتها مقاطع من أغنية آدمو
إن هذا التنوع في الأسلوب الغنائي يحدث حالة من الحوارية داخل الرواية تحوّل النص إلى مهرجان من الأصوات ولكن ذلك يحدث في غير فوضى وفي غير نشاز، لأن المقاطع الغنائية موظفة بشكل دقيق وممهد لها بطبقة من السرد فيأتي المقطع الغنائي ليعضد السرد ويسنده لا ليربكه ويشوشه
إن هذا الحضور اللافت للمقاطع الغنائية يؤثّر كثيرا في بناء الرواية وفي استراتيجيات تلقيها، فالمقطع الطربي الرومانسي يشي بخفوت حركة السرد والأحداث الخارجية لتتحول الحركة إلى حركة داخلية تنشغل فيها الرّاوية بما اختلج في أعماقها من مشاعر الحب والحلم وتفتح مخازن الأنوثة عندها لتكون أمام شخصية حالمة كثيرة التأمل والتحليق في فضاءات العشق. ولئن رصد القارئ طغيان المونولوج والحركة الداخلية على الحركة الخارجية في الرواية، والذي تجيزه طبيعة الشخصية والراوية، التي تعيش في شبه عزلة ليس لها من رفيق غير ذاكرتها، فإن هذا القارئ في مقابل
 ذلك، لن يغفل عن طغيان المقاطع الرومانسية على بقية المقاطع الأخرى
تشي فورة المقاطع الرومانسية – إذن – بطبيعة الشخصية وخصوصية الكتابة عند حفيظة قارة بينان : شخصية رومانسية ونص قائم في سرده على الشعرية وراو كثير التأمل والتحليل والحلم
ولئن ارتبطت هذه المقاطع الرومانسية بطبيعة التكوين النفسي للشخصية فإن حضور المقاطع الغنائية ذات الطابع الصوفي (المالوف) مرتبط باستحضار الجو الأسري الحميم الذي كانت الشخصية تعيشه في بيت والدها قبل أن تنتقل إلى بيت زوجها/ بيت التحريم. فحضور هذه المقاطع من المالوف هو من قبيل البحث عن ملجإ تهرع إليه الشخصية هروبا من فضاء التحريم الذي تسكنه، وهذا لا يحدث إلا بتنشيط الذاكرة التي تحولت إلى ما يشبه آلة تعويض عجيبة أو مركبة خرافية تركبها الشخصية الروائية لتكسر أسوار بيت الحرام وترحل إلى الماضي السعيد حيث الحب والحلم والفن والأمن : بيت
 أسرتها الذي يلعب في الرواية دور فضاء الحلال والتسامح مقابل بيت زوجها ؛ فضاء التحريم والتعصب
8
لقد تمردت الروائية على ا لمقولة الفلسفية الهيقلية التي تقول إن الموسيقى مجردة عن المكان تماما، لا تبقى إلا في الزمان، فقد أكسبتها بنت البحر هذا البعد الامتدادي، إذا أصبحت الموسيقى جزءا مهما من مكونات المكان، ولكن هذا لم يفقدها بعدها الزمني لأنها في النهاية تسكن والمكان معا ذاكرة الراوية
أما المقاطع الغنائية ذات الطابع السياسي أو ما يصطلح عليه بـ”الأغنية الملتزمة” أو “الثورية” والتي مثلتها، كما قلنا مقاطع من أغاني الشيخ إمام ومارسال خليفة، فإن حضورها ارتبط بالوعي السياسي للراوية وما يحيط بها من مناخات إيديولوجية
غيفارا مات
غيفارا مات
غيفارا مات
آخر خبر في الراديوهات (ص 138 )

وظفت المؤلفة هذا المقطع الغنائي في لحظة معينة من مسار السرد ومن تطور الأحداث الروائية، فليس الغرض منها التأريخ لوفاة الثائر الأرجنتيني تشي غيفارا أو مقتله إنما هو توظيف الغرض منه إسناد ما سبقها من سرد اتصل بشقيق الراوية “أمير” المأخوذ بشخصية أرنستو تشي غيفارا، فقد كان “أمير” يدمن قراءة مذكراته ويحفظ مقولاته، وتسرب ذلك الولع بـ”تشي” إلى أخته شرود التي استعارت مذكراته لتنهمك في قراءتها ومتابعة تفاصيل حياة الثائر(الذي أُغتيل في بوليفيا سنة 1967) وكانت شرود كثيرا ما تقترن عندها صورة غيفارا بصورة شقيقها “أمير” حتى أصبح غيفارا
 جزءا من ثقافتها، ورمزا من الرموز التي توظفها الروائية للتدليل على فظاعة ما كان يجري من أحداث في الثمانينات حتى أنها جمعته في إحدى الصور السريالية مع الحلاّج المصلوب والحرب الأهلية اللبنانية ومشاهد الجلد
عادت ليلى… عيناها السوداوان المستديرتان وكل أحزان العالم… والترخيص لأسبوع… وبيروت والسيارة المفخخة… وغيفارا تطارده الطائرات… والحلاج المصلوب المحروق رمادا ينثر من أعلى صومعة… فرقعات سياط… قهقهات… أسوار تنبت في كل مكان ترتفع… تلتفّ بالسماء… تذبحها لتمطر دم… في كل مكان… شاشة واحدة، شاسعة تجمع كل الصور… كل الألوان…”. (ص 138 )
وينسحب ذلك التوظيف الغنائي على ما أوردته الروائية من مقاطع غنائية لمارسال خليفة والتي ارتبطت بأوراق أمير الفتى الثائر الذي رفض أن يكون ضمن القطيع. أما هذا المقطع الغنائي الفرنسي
Mais laisse mes mains sur tes hanches
Un jour, c’est toi qui iras
Oui, tu auras ma revanche
Tu seras ma dernière chanson
La la la la la la
La la la la… (ص 141 )


فيمكن مقاربته شكليا بأنه إحدى الألعاب السردية التي اعتمدتها الروائية لأحداث ما يسميه باختين بالتهجين9 (Hybridisation) في الخطاب الروائي إلى جانب بعض الجمل الفرنسية الأخرى التي أقحمتها في النص، ويمكن قراءة ذلك التوظيف على أنه على صلة بالتركيبة النفسية للشخصية الحالمة الرومانسية إذا ما قرأنا الشاهد الغنائي من جانبه المضموني

كما يمكن اعتباره دليلا على تحرر الشخصية من الأحادية والتعصب حتى في اختياراتها الفنية من خلال تفتحها على ثقافة الآخر
والحق أن هذا السؤال : حوار الثقافات يمثّل واحدا من الأسئلة الرئيسية في رواية قارة بيبان التي تنبذ التعصب الديني والتطرف الفكري ومنطق التحريم والتكفير الذي عرفته الشخصية الرئيسية في بيت الزوجية الذي تصفه بقولها
بيت يحاصره الحرام من كل جانب ! يهجم الحرام من قارورة العطر، من أغاني الحب، من خصلة شعر تلقيها نسمة عابرة على الجبين، بيت لم يعد فيه الحلال غير ثقب ضيق على أزقة مدينة غارقة في الظلمات، في انتظار الجنة الموعودة للصالحين والصالحات” (ص 83 )
لقد عطل التطرف كل الحواس لتتحول الحياة إلى شيء غريب بلا لون ولا طعم ولا رائحة، شيء اسمه الفقدان
حاولت شرود، إذن، أن تقاوم هذا التطرف الذي يسكن فضاءات التحريم بذاكرة ثقافية تربت على مبدإ التسامح والانفتاح وبذاكرة بيت أسري كان فيه الإله جميلا ووديعا
قام فضاء التحريم على مبدإ الإسكات والقمع والصمت والسكون بينما قام فضاء الحلال على مبدإ الصوت وحرية التعبير والحركة ويمكن التدليل على ذلك بموقف أسرة شرود من الغناء والرقص والعزف وموقف أسرة خالد الحديدي من هذه الفنون. لذلك فمقاومة الغناء وتحريمه في بيت الزوج هو جزء من مقاومة الصوت والكلمة، لأن صوت المرأة عورة وكلامها عار يجب أن تداريه. فقبل الزواج طلب خالد من شرود أن تغني له فقط، بدعوى الغيرة وهذا في الحقيقة كان مؤشرا لواقع المصادرة الذي ستعيشه في قادم الأيام، وبدأت رحلة الإسكات في بيت الزوجية مع منع الزوجة من دراسة الموسيقى
 وإخلال الزوج بوعده الذي قطعه لعروسه بإهدائها عودا ثم تفاقم الأمر مع زيارات النساء المتحجبات الداعيات للبيت وأشرطتهن الدينية التحريضية ليغرق البيت في عبارة “الحرام”، وتفقد الشخصية إلاهها الوديع الجميل الذي عرفته في بيت أسرتها ليحل محله إله متعصب يعشش في أدمغة أصحاب البيت الجديد ولنا أن نتذكر أن عنوان الرواية كان في الأصل “سرقوا إلهي” ولكن الكاتبة غيرته بالعنوان الجديد تحت وقع أحد أشكال القمع والتخويف وكأن المصادرة وواقع الإسكات عبرا متن الرواية ليصحبا رحلة النص مع النشر، فنقرأ على غلاف الكتاب صرخة مكتومة تفضح سر ضياع
 العنوان
تقول المؤلفة في شهادتها “دروب الفرار دروب السقوط والهزيمة”
10 “لقد كان العنوان “سرقوا إلهي” ولكن دهشات الاستنكار وجبن زرعوه فِيّ جعله يتحول إلى “دروب الفرار”. ولعمري إن ذلك العنوان الأصلي/سرقوا إلهي/ هو أنسب العناوين لهذه الرواية التي تفضح التطرف الديني وطرق اشتغاله. وإن كان العنوان الجديد يفتح هو الآخر آفاقا رحبة للباحث بما يحمله من إيحاءات تركيبية ودلالية وما يشي به من تقاطع مع عناوين أخرى لعل “دروب الحرية” لجون بول لسارتر أهمها، وهذا مبحث آخر في العتبات والمصاحبات النصية (Les Paratextes) والتناص (intertextualité) يحتاج دراسة أخرى
 منفردة، نلمع إليها ونؤجل الخوض فيها لوقت لاحق
يفقد الشاهد الغنائي، أحيانا، خصوصية توزيعه البصري على الصفحة باعتباره في نهاية الأمر شاهدا شعريا، ليتحلل داخل المقطع السردي ويلتحم به فيفقد دلالته الأولى الغنائية ليضطلع بأدوار سردية. تقول الراوية واصفة زوجها ليلة العرس
هذه أنا، شرود وهذا أنت، قربي كما عرفتك واثق الخطوة، تمشي ملكا، ظالم الحسن، شهي الكبرياء… تفتح الحاكي لصوت الليل القادم، ترتعش بيننا الكلمات
يرتعش الصوت
تتكلم آنفاسنا الحارقة
ونأخذ طيفا واحدا من النور مع النغم الساحر” (ص35 )

هكذا، تصبح عملية استخراج المتناصات تتطلب من القارئ ثقافة غنائية ليميز نص الكاتبة من النصوص المقحمة والمستعارة من حقوق معرفية أخرى، ومنها الحقل الغنائي، وذلك لأن المؤلفة بَرَدَت أطراف النص المستعار –المقطع الغنائي- ووحّدت نَبْرَ (accentuation) الكتابتين وتوزيعهما الطباعي
وقد رصدنا تكرر هذا المقطع الغنائي أكثر من مرة ولكن بدلالات مختلفة وهو ما يذكرنا بما يعرف بظاهرة “الترديد” في الغناء الطربي تحديدا. فنفس المقطع الغنائي نقرأه في آخر أحداث الرواية حين يدخل الزوج “خالد الحديدي” على زوجته شرود نزيلة مستشفى الأمراض العصبية، تصف الراوية المشهد قائلة:
“ذلك الوجه الذي صاحب أيامها ولياليها وارتسمت قسماته على أوراقها وأشعل الحياة فيها وأحرقها. هاهو يقترب، كما كان أول ما عرفته، واثق الخطوة يمشي ملكا، ظالم الحسن، شهي الكبرياء… يقترب، يمد يدا حارة رغم خشونتها. لقد آن أوان الرحيل…” (ص 24 )
إن المتأمل في كل من التوظيف الأول والتوظيف الثاني سيدرك حتما أن الراوية رامت في الأول وصفا القصد منه إظهار مشاعر الإعجاب بالزوج بينما كانت تسعى بالوصف الثاني التعبير عن مشاعر السخرية، من نفسها ذاتا حالمة، ومن زيف رجل يظهر غير ما يبطن
ومن متممات هذه المقابلة التي أرادت شرود أن تثبتها. -ومن ورائها المؤلفة- صورة الزوج الذي “فتح الحاكي” ليلة العرس ليستمع معها إلى الغناء بينما أدار مفتاح المذياع في المشهد الثاني ليسكت صوته ويلجمه. تقول الراوية
حين استسلمت لمقعدها، تقدمت أصابعه تدير أقفال المذياع، ارتفع ذلك الصوت الساحر الشجي
يا فؤادي
لا تسل أين الهوى
كان صرحا من خيال
فهوى
اسقني واشرب
على أطلاله
وأرو عني طالما الدمع روى
وبسرعة، أدار خالد الإبرة، وضاع الصوت الشجي في نغمات سريعة ركضت مع سواد الطريق.” ( ص 24-25 )

إذا ما استحضرنا في قراءتنا لهذين المقطعين أو المشهدين تعلّق الرّاوية بالموسيقى والغناء لاحظنا أن الزوج قد فتح لها أحلاما ليلة العرس من خلال عملية فتح “الحاكي” ليجتث تلك الأحلام التي سقاها بعملية إسكات صوت المذياع في المشهد الثاني
يكشف كل من المشهدين طاقة روائية كبيرة في التعبير عن التحولات النفسية للشخصيات من خلال تلك المقاطع الغنائية. ففي الليلة الأولى، اختارت حفيظة قارة بيبان توظيف أغنية شديدة الصلة بمناخات ليلة العرس، فانتقت مقطعا من أغنية أم كلثوم “هذه ليلتي وحلم حياتي…” بينما وظفت في المشهد الثاني في المستشفى مقطعا آخر من أغنية أخرى لذات المطربة يتناغم مع حالة اليأس والإحباط التي تعيشها الشخصية بعد الخيبة التي تعرضت لها قصة حبها ومشاريعها وأحلامها، فكان المقطع الغنائي ترجمانا صادقا لهذه المشاعر
يا فؤادي
لا تسل أين الهوى
كان صرحا من خيال
فهوى …”

ويمكن تأويل سلوك الزوج في المشهد الثاني إسكات المذياع بذلك الإحساس بالتعري، لأن الأغنية كانت تفضح زيفه وزيف ما كان يدعيه ويحلم به زوجته، لقد كانت الأغنية صوت شرود المقموع، فلم يكن خالد الحديدي في قمعه للأغنية وإسكاتها، يتصرف بدافع من كرهه القديم للغناء أصلا، وإنما لأن الأغنية كانت مؤلمة ومربكة بقدرتها الفائقة على تعريته، فأسكتها في محاولة يائسة للحفاظ على “ورقة التوت” وللهروب من المواجهة
وينهض هذا التوظيف دليلا آخر على أن الروائية، بنت البحر، لا تتعامل بعفوية وسذاجة مع متناصاتها الغنائية، إنها تتدبر أمورها بكثير من الوعي والعناية لتضع القارئ أمام نص تتحاور فيه الذوات والفنون والمشاعر
ويهمني هنا التأكيد على أن حضور تلك المتناصات الغنائية هي التي شكلت الإيقاع الروائي في النص، فتكرر بعض المقاطع مثلا، من شأنه أن “يقوم بتعليق الزمن العادي أثناء القراءة والاستماع” وهذا ما يسميه ميشال بوتور “بتنظيم الزمن داخل الرواية أو التأليف الموسيقي”
12. وقد ساهم توزيع تلك المتناصات الغنائية على امتداد الرواية في إحداث نوع من التشكيل السيمفوني على الأحداث، فتلك المقاطع توقع من خلال خصوصياتها النوعية شكلا من أشكال التصاعد النغمي “الأوبرالي” فتنتقل من المقطع الطربي الرومانسي “الفرائحي” إلى المقطع الطربي “الجنائزي” إلى
 المقطع الغنائي “الملتزم” ثم المقطع الغنائي “الثوري”، ثم ينهار الإيقاع نحو الإيقاع الطربي “البكائي ”…
ويمكننا من جهة أخرى، تشبيه ما عمدت إليه الروائية في سرد أحداث الرواية، من تعدد للأصوات (بوليفونية السرد) بطريقة التناوب في العزف السيمفوني عبر الآلات، وهو ما يحدث نوعا من التكرار ولكنه ذلك التكرار الفني الذي تحدث عنه تودورف والذي يعيد سرد الحدث والواقعة ولكن بطريقة مختلفة أو ببعض التحوير ومن وجهة نظر مخالفة، وقد طور هذه التقنية رواد الرواية الجديدة في فرنسا وخير من وظف هذه التقنية من العرب:رشيد بوجدرة في روايته “الحلزون العنيد” ورشيد الضعيف في روايته “أهل الظل” وعز الدين المدني في نصه “الإنسان الصفر ”
وصفوة القول إنّ الموسيقى كانت البطل الحقيقي في رواية بنت البحر، فهي الأمل والحلم وهي الضحيّة وهي الكائن وهي الغائب وهي المتناص الذي يؤثث الرواية من ا لبداية إلى النهاية وهي الخيط الرفيع الذي ينظم العِقْد الرّوائي وهي العَقْد القرائي الذي يمكن من خلاله أن يعبر المتلقي أسوار النص ويسمع ألحانه، وكأن صاحبته كانت، وهي تكتبه، تردد خلف ميشال بوتور بحماس شديد
إذا كانت الرواية تبغي تقديم صورة كاملة تقريبا عن الحقيقة البشرية، أي أن تكون صادقة في عملها، فينبغي لها أن تكلمنا من عالم لا يمكن أن تحدث فيه الموسيقى وحسب، بل تكون فيه الموسيقى ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها”
13

هوامش ومراجع
* نشرت هذه الدراسة بمجلة عمان (الأردن )

-حفيظة قارة بيبان (بنت البحر) كاتبة تونسية صدر لها
- الطفلة انتحرت (قصص) الدار العربية للكتاب
- رسائل لا يحملها البريد (نصوص شعرية) الشركة التونسية للتوزيع
- في ظلمة النور (قصص) منشورات قصص

Ÿ حفيظة قارة بيبان : دروب الفرار، دار سراس للنشر، تونس 2003

× قدم لهذه الرواية الدكتور محمد القاضي وقال عنها :
“جاءت دروب الفرار عملا فنيا، يشد القارئ إليه شدا بطاقته الباهرة على الصدق وبشجاعة صاحبته التي عبرت عن موقف صريح من المجتمعات الذكورية السلّطيّة، ومن النظم الديكتاتورية البوليسية، ومن القراءات السلفية الظلامية، دون أن تقع في الخطابية الفجة ولا في التسجيلية المبتذلة، فجاء نصها بوحا موحيا وشهادة مبدعة وصنعة متحررة من التكلف” (ص13 )

(1) Roland Bourneuf, Réal ouellet: L’univers du Roman Ed. cérès. Tunis
1998 p. 25
(2) ميشال بوتور: بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، باريس- لبنان ط 2، 1982 ص40
(3) المرجع نفسه، نفس الصفحة
(4) لوسينق، نقلا عن د. عبد الملك مرتاض: في نظرية الرواية بحث في تقنيات السرد. سلسلة عالم المعرفة. عدد 240 الكويت 1998 ص 199
(5) Roland Bourneuf, Réal ouellet: L’univers du Roman… p. 146
(6) نبيل سليمان: بمثابة البيان الروائي. دار الحوار للنشر والتوزيع. اللاذقية، ط1 1998 ص. 81

(7) M. Kundera: L’art du roman. Folio. Gallimard. France 2001. p. 162.
(8) أنظر ولترستيس: فلسفة الروح عند هيقل (المجلد الثاني)، ترجمة : د. إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير بيروت. ط 2 1982 ص 162
(9) MIKHAÏL BAKHTINE : Esthétique et théorie du roman
Gallimard. Paris, p. 125
(10) حفيظة قارة بيبان : دروب الفرار دروب الهزيمة (شهادة أدبية) شروق الإبداع، 13-6-2003
(11) لمزيـد التوسـع يمكـن العـودة إلـى : Gerard Genette
* Seuils. Ed seuil. Coll. Points. Paris 2002
* Palimpsestes. Ed seuil. Coll poétique. Paris 1982
(12) ميشال بوتور: بحوث في الرواية الجديدة ص 41
(13) المرجع نفسه ص 40