رواية «دروب الفــرار» لحفيظـة قاره بيبـان
روايــــة ممتعـــة رغـــم سلبيـــة بطلتـــها
مـــاذا لــو سـميـــت الـروايــــة "شـــــرود"؟

بقلم: آمال مختـار




هذه حقا رواية ممتعة
ممتعة إلى درجة يتماهى فيها القارئ مع بطلة الرواية فيصبح "شرود" هذه الشخصية الهشة، هذه الشخصية المفتتة إلى آلاف القطع نثارا هنا وهناك في أركان الوجود. "شرود" هي أنا، هي أنت، هي كل ذات بشرية مرهفة، رقيقة، حساسة إلى حد الهشاشة التي تؤدي إلى الانكسار مع أول صدمة تتلقاها هذه الذات مع جسد صلد ربما يكون الحياة مجسدة في واقع مختلف عن الأحلام
شرود ؟ لماذا هذا الاسم؟ لماذا هذا الشذوذ في التسمية؟ هل اختارت الكاتبة ذلك حتى يكون الاسم مطابقا للمسمى؟ هل لأن البطلة كانت حقا عاجزة على أن تكون شاردة فتجسد بذلك تسميات الأضداد. وإذا بها المرأة الشاردة إسما فقط بينما هي في واقعها امرأة خانعة ومستسلمة إلى درجة الانهيار العصبي
هو اسم غريب ومحير لكنه قد يكون مناسبا للشخصية في جميع حالاتها فهي الذات التي ترغب في الشرود والخروج عن القطيع لكنها لا تنفذ ذلك بقوة وبقبضة من حديد، بل إنها سرعان ما تسقط في فخَ رومانسيتها فتصدّق كل ما قاله لها خالد (زوجها) لكنها عندما وعت بسقوطها استسلمت الاستسلام الكامل للواقع، للفخ الذي كمش على روحها الهشة
لم تقاوم، لم ترفض علنا لم تحارب من أجل تحقيق أحلامها، لم تخرج من عنق الزجاجة الذي اكتشفت أنها تعيش فيه. هي رفضت في صمتها هذا العنق لكنها أقامت فيه إلى حد الانهيار العصبي بسبب الاختناق هناك
ولعل هذا ما أعتبره نقطة الضعف الوحيدة في هذه الرواية الجميلة
فالشخصية الأساسية "شرود" التي تروي بصوتها وإلى جانب صوت أخيها أمير وصوت زوجها خالد حياتها بأسلوب سردي آسر وبشاعرية كبيرة، هذه الشخصية كانت ثائرة في الصمت لكنها في العلن كانت شخصية سلبية ومستسلمة كل الاستسلام لما يحدث لذلك فاني اعتبرها مجرد شاهد على حكايتها وبشكل مواز على حكاية بلد أثخنه التعصب الجاهلي
"شرود" ليست البطلة التي يمكن أن يقتدى بها، ويمكن أن تكون الشخصية النموذج التي تنتصر على الظروف التي تقهر الإنسان في الواقع والتي تصبح شخصية أسطورية بمسحة الفن والإبداع التي يجب على الكاتب أن يلقيها على شخصياته حتى يغادروا الواقع المسطح ويجنحوا إلى عالم الإبداع الذي يمنح الشخصية قوة أخرى ترتقي بها إلى مصاف الشخصيات الخالدة بل الأكثر خلودا من الإبطال في الحياة الواقعية. هناك تكمن سطوة الفن وهناك يكمن سحره وهنا تحديدا انساقت الكاتبة حفيظة قارة بيبان بشاعريتها ولطفها في سرد الأحداث بشكل فني جيد ونسيت أو تغاضت ربما على جعل "شرود" شخصية خالدة بانتصارها على كل تلك الظروف التي أحاطت بها وأخذتها إلى الانهيار وإلى المصحة النفسية
كم تمنيت وآنا أقرأ هذه الرواية الممتعة أن تكسر "شرود" مسارها المسطح، أن تخرج من صمتها وأن تستمد قوتها من الإبداع الفني باعتبارها شخصية خرجت من الحياة الواقعة إلى الحياة الروائية، كم تمنيتها أن تتكلم أثناء حضورها لتلك الاجتماعات التي تقيمها نساء البيت الذي انتقلت لتعيش فيه مع زوجها، أن تأخذ الكلمة وتخطب فيهم وتدافع عن ذلك الإله الجميل المتسامح الغفور الرحيم الذي حفظت آياته وهي طفلة وصبية في بيت أهلها، أن تدافع عن جمال الحياة التي منحها لنا هذا الإله الجميل الذي شوهوه في كتبهم الصفراء وخطبهم القاسية فجعلوه إلاها جبارا إلاها قاسيا حاقدا... لماذا حبست الكاتبة بطلتها في سجن خوفها ودوامتها ووهمها الذي سكن رأسها؟
ربما في الحياة الواقعية تستسلم امرأة مثل "شرود" لكن في تلك الحياة لن يكون اسم هذه المرأة "شرود" بل سيكون اسمها "راضية" كما كانت حماتها تناديها رافضة لهذا الاسم الغريب
وبرغم محاولات "شرود" الصغيرة في الصمود من نوع الدراسة بالمراسلة والخروج للعمل إلا أنها لم تقدر على اقتناء العود الذي ستلحن به قصيدة أمير. وهنا أيضا كم تمنيت أن تنجح "شرود" في اقتناء العود وتعلم العزف رغم مماطلة زوجها وكم تمنيت أن تواجه "شرود" صوت الخطب المشوهة للإسلام بجميل ألحانها وهي تتغنى بالإله الجميل. بمثل ذلك تخرج "شرود" من سلبيتها وتخرج من دوامتها بأقل ما يمكن من الخسائر
وحتى لو كان ربحها الوحيد هو ذاتها الصلبة التي رغم كل شيء لا تنهار. غير أن الكاتبة سجنت شخصيتها في سلبية واقعية قللت من قيمة هذا العمل الذي كانت كل مناخاته مهيأة لتكون بطلته امرأة مختلفة، امرأة نموذج ترتقي على ظروف الواقعي إلى قمّة الفن والإبداع
وبعكس "شرود" كان "أمير" الشخصية الإيجابية. كان البطل الذي لم يستسلم مطلقا فظل يكتب أشعاره ويكتب مناشيره ويتصدى في الجامعة إلى تيار السلفية وإلى كل العوائق، إلى جانب ذلك ظل بارقة الأمل الوحيدة التي تعيد "لشرود" بهاء الأيام الخوالي ورائحة الشعر والياسمين
ولعلني شخصيا اعتبر أمير هو البطل الحقيقي لهذا العمل الذي عشقته لأنني أحسست انه مني بالرغم من أنني نفرت منه في البداية انطلاقا من عنوانه: فأنا أكره الفرار بقدر ما أفضل المواجهة والفصل، بقدر ما أفضل التصدي والمقاومة والدفاع عن أبسط شيء نملكه هو ذوا تنا
وحريتها في الكتابة إذا ما لم تتسن هذه الحرية في الحياة، نفرت من "دروب الفرار" وكم تمنيت أيضا لو حملت الرواية عنوان البطلة "شرود" وهو اسم غريب ومحير وفي نفس الوقت معبر
على كل، هذه الملاحظات التي أبديتها من فرط حبي لهذه الرواية لن تنقص من جرأة هذه الرواية وشجاعة الكاتبة في طرح قضية وطن من خلال مسار عادي لامرأة تعذبت بسبب أحلامها وسقطت في أول مواجهة لها مع الواقع الصلد.
بكل حب أعانق حفيظة قاره بيبان وأهنئها بهذا العمل الجيد، بهذه الرواية الممتعة الصادرة عن دار سيراس للنشر





آمـــال مختـــار
جريدة الصحافـة