تقديم دُرُوبُ الفِرَار
محمّد القاضي




حشد من الأصوات وركام من الذكريات.. وألم كاسح يخترق الكيان في عالم يمور بالأحداث.. وذات تائهة مشدودة إلى أوجاع لا يشعر بها إلاّها.. في واقع فرض عليها وخنق فيها القدرة على الحلم
ومن عجب أن تتعدّد الدروب.. »دروب الفرار«.. ولكنّ الشخصيّة الرئيسيّة »شرود« تظلّ شاردة عن هذا كلّه.. محاصرة داخل سجنها الوهميّ.. وقد أيقنت أنّ السبل جميعاً انسدّت في وجهها حتى لا مفرّ
هذه الرواية شتات من الأزمنة والأطوار.. نكاد لا نرى من خلالها شيئاً غير طيف »شرود« تتقلّب بها الحالات وهي تطأ أرضاً تسوخ فيها الأقدام
تبدأ مغامرتنا مع هذه الرواية منذ العتبة الأولى. عتبة الإهداء. فهنا تغدو »شرود« ذاتاً قائمة خارج النصّ تتوجّه إليها »بنت البحر« بالخطاب، وتدعوها إلى التماسك، وتعترف بأنّها »حبيبة أسكنها جموح الخيال دمي«. على هذا النحو يبدأ العقد القرائي في الشذوذ منذ الخطوات الأولى. فهذا الكائن الورقي خياليّ، ولكنّه يندّ عن مجاله، ويسكن دم المؤلّفة فيصير جزءاً من عالم الشهادة رغم أنّه تشكّل في عالم الغيب المتخيّل
تنفتح الرواية بصوت أنثويّ كأنّه المونولوج: امرأة بين عذابين، عذاب الحاضر وهي ترى نفسها مجرورة من شعرها، مسحوبة على الرخام، مشتومة، محاطاً بها حتى تظلم الدنيا من حولها، وعذاب الماضي إذ تسلّط عليها ضروب القهر والفضيحة والوجع
بين العذابين تستوي هذه الشخصيّة الهشّة التي لم تجاوز خمساً وعشرين سنة، وقد احتوتها جدران المستشفى وانقطعت الصلة بين عالمها الداخلي والعالم المحيط بها
أين يقف التوهّم؟ وأين يبدأ اليقين؟ إنّ »شرود« تتّقي ذكرياتها بالأدوية المخدّرة، فلا يزيدها ذلك إلا إمعاناً في الكوابيس. وهي تستعدّ لمغادرة المستشفى، ولكن روحها مثخنة بالجراح وكيانها مهشّم، فلا هي راغبة في البقاء في المستشفى، ولا هي قادرة على العودة إلى عالم الناس
من هذه البداية – النهاية نصحب »شروداً« في طريق عودتها إلى مدينة »هيبو« الساحلية رفقة زوجها »خالد الحديدي«. ونطلّ على عالمها من مواقع متعدّدة، فإذا بها تردّنا إلى ذلك المساء الأسود من جوان 1980 حين أهدرت الأحلام واستباحتها »العصيّ المرفوعة والسيّارات المتربّصة«. ونرى »شروداً« من خلال مذكّرات أخيها »أمير« وقد انكفأت على نفسها واستكانت للعزلة وتخلّت عن عنفوانها
ويبدأ التوغل في الماضي، فنرتدّ إلى يوم زفاف »شرود« وقد تفاقمت غربتها عن نفسها، وأصبحت ذاتاً وموضوعاً في آن. ومن ذلك اليوم المشهود نعود القهقرى إلى بداية العلاقة بينها وبين »خالد« من التعارف التقليديّ إلى الحب فالزواج. ملحمة ضارية بين ذات مشحونة بالآمال وكائن اجتماعي تسحقه التقاليد والمواضعات فيغدو دمية تتلهّى بها نساء الدار ويتصرّفن في إرادتها بما تقتضيه الأعراف
في هذا البيت القلعة وجدت »شرود« نفسها مع نساء لا يربطها بهنّ رابط، فاتخذت من »خالد« كوّة وحيدة يصلها من خلالها خيط نور باهت، ولكنّ الكوّة سرعان ما انسدّت فضاعت »شرود« في هواجسها، وما استطاعت بعد ذلك إلى الحلم سبيلاً
في مأساة »شرود« ثلاثة أقانيم تتداخل وتتصارع: الذات والوطن والدين. فقد انكسرت ذاتها الهشّة بعد أن غذتها بيئة عائليّة نابضة بالحبّ والمرح والتفاهم، ومزاج رومانسي يحظى فيه القلب والحلم والشعر والغناء بنصيب وافر. فلمّا جاء الزواج انهارت قوائم هذا العالم وتصدّعت أركانه، وطفت على سطح الروح خيبة أمل مريرة لم ينفع معها الانطواء ولم تُجدِ الحبوب المخدّرة
أمّا الوطن فقد ارتبط بانهيار الأوضاع، إذ تزامنت الأحداث الرئيسيّة مع تدهور الأمور في البلاد في جانفي 1980 بين انتفاضة في الجنوب وحركة احتجاج نقابي واضطرابات في الجامعة جوبهت كلّها بالقمع الوحشيّ وببرقيّات التأييد الزائفة. وقد ازداد أوار هذا الوضع استعاراً من خلال »أمير« أخي »شرود« الطالب اليساري المؤمن بالحريّة والذي يطارد وينتهي أمره إلى الاختفاء، فيضيع أثره وتبقى أسرته دون نبأ عنه. وبالتوازي مع هذا تتدهور أحوال الوطن الكبير وتشتدّ شراسة العدوان عليه في فلسطين ولبنان
وأمّا الدين فقد اتّخذ من البيت القلعة الذي كانت تقيم فيه »شرود« وزوجها ونساء أسرته مستقرّاً ورمزاً. ههنا نشهد صعود نجم التطرّف الديني في صور شتّى: دروس دينية وخطب وتسجيلات وسلسلة طويلة من التحريم. إنه »دين جديد متكئ على عكاكيز الجاهليّة« تقابله »شرود« بما كانت عهدته في بيت أبويها من تسامح، فيبدو لها أنّ الهوّة بين الحالين عميقة وأنّ إله طفولتها لا يشبه هذا الإله الجديد القاسي: »أين اختفى ذلك الإله الحبيب؛ ولِمَ أخذ معه كلّ الجمال والرقّة والمحبّة وغاب وتركني لإله يحرمني النغم وجمال الوجود ولا ينذر بغير الجحيم؟ «
في هذه السلسة المتضافرة من الخيبات والأوامر والنواهي ينبثق العجز فارعاً كأنّه المارد يشدّ بقبضته الحديديّة على عنق »شرود« ولا يترك لها إلاّ الدمار والخواء، فتسعى بكلّ سبيل إلى التخلّص من جنينها الأوّل، وفي غمرة انهيارها العصبيّ تصنع مأساتها بيديها، ويزجّ بها في مستشفى الأمراض العقليّة
وكما بدأت الرواية بالتوجّه إلى »هيبو« مدينة البحر والنوارس، فإنها تنتهي وقد عادت »شرود« إلى مدينتها المثخنة ولم تجد ملجأ لها إلا في بيت طفولتها آملة أن تستعيد فيه شيئاً من الراحة والاطمئنان
تلك هي الخطوط الكبرى للأحداث. ولكنّ الرواية شيء آخر. لقد عمدت »بنت البحر« في هذا النصّ إلى تعديد الأصوات والرؤى والأشكال والأجناس منخرطة في كتابة حداثيّة يتسع لها صدر الجنس الروائيّ. فإذا بها تراوح على غير نظام بين الرواة: تارة »شرود« وتارة »خالد« وتارة »أمير« وتارة راو غائب خارج عن الحكاية. وتراوح بين الضمائر: المتكلّم والمخاطب والغائب. وتراوح بين الرؤى: داخليّة متعدّدة وخارجيّة. وتراوح بين الأشكال والأجناس: السرد التاريخيّ والمونولوج والمذكّرات والاعترافات والقصاصات. وتراوح بين الأزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل
غير أن هذا التعدّد ليس مجرد اختيار فنّي وإنما هو سليل رؤية جمالية وتوجّه فكري. فرواية »دروب الفرار« تتقصّى أعماق شخصيّة مرهفة صدمها الواقع وقمعها وأجبرها على أن تلقي السلاح. ولكنّها رواية تتصدّى للإطلاقيّة والتسلّط مهما كان مأتاهما. إنّها صرخة إدانة لمجتمع الذكورة في البيت، والعسف في الحكم، والظلاميّة في الدين. وهي إذ تعقد بين هذه الأبعاد خيوطاً خفيّة تؤمن بالتعدّدية وبأنّ الحقيقة الواحدة لا وجود لها، حتى إنّنا لنشعر أنها تخفي المرجعيّة بالتخييل. وتشدّ التخييل إلى المرجع. فهي رواية فيها من الأدب الذاتي ما فيها من الابتداع،
 تدور أحداثها في »بنزرت« ولكن اسم هذه المدينة يظل كالمنطقة الحرام لا يرد ذكره إلا تلميحاً وكناية، تسرد لنا قصّة مصير مدمّر ولكنها تقدّمها لنا شذرات ومزقاً لا تحاكي الواقع وإنما تخرجه شظايا تعكس تشظّي الذات وتشظّي الوطن وتشظّي المثل
نعم، قد يبدو لك هذا النص موسوماً بمسحة رومنسيّة من خلال نزعته التعبيرية التي تدور على محور الذات وعالمها الباطني، ولكنك لا تملك إلا أن تعجب بهذه البراعة التي استطاعت بها »بنت البحر« أن تؤلّف بين الذات والموضوع، وأن تزاوج بين الباطن والظاهر، وأن توازي بين هموم الفرد وهموم الجماعة. كلّ هذا في لغة شعريّة بسيطة وإن تعدّدت مستوياتها. فجاءت »دروب الفرار« عملاً فنيّاً يشدّ القارئ إليه شدّاً بطاقته الباهرة على الصدق وبشجاعةِ صاحبتهِ التي عبّرت عن موقف صريح من المجتمعات الذكورية التسلّطيّة، ومن النظم الديكتاتوريّة البوليسيّة، ومن
 القراءات السلفيّة الظلاميّة، دون أن تقع في الخطابيّة الفجّة ولا في التسجيليّة المبتذلة. فجاء نصّها بوحاً موحياً وشهادة مبدعة وصنعة متحرّرة من التكلّف




محمّد القاضي كلية الآداب – جامعة منّوبة