قراءة في رواية "العراء"

 

                       

    في رواية "العراء"، تترك حفيظة قارة بيبان، بنت البحر، العنان لعبقريتها السردية كما لم تفعل قبل الآن، تحفر عميقا في الجسد والروح وتهب القرّاء مأدبة باذخة فاخرة من حروف وكلمات. أيّ منهج نقدي بإمكانه الإلمام بكمّ الوجع الذي تنزّ به الحروف؟ وضمن أيّ المسالك النقدية نعبر إلى هذا النص الراعش بصنوف من الألم المنسربة إلى أرواحنا من أوّل حروفه وحتى نهاياتها؟ لا مجال مع هذا النص لاستقامة القواعد النقدية ولا لبرودة النظريّات المعلّبة الجاهزة مسبقا، ولا لحياد الناقد المدّعى، هذا نصّ يقرأ ويتحسّس ويلعق كجرح "دجلة" الذي يقسم جسدها نصفين ويهبها للحظات قصوى من الوجع والفزع والدّمار، هذه رواية الخراب الشامل، خراب الجسد وخراب الوطن وخراب الإنسان العربي في رمزه الكاوي على الدّوام: فلسطين !

    رواية "العراء" شبكة آسرة من خيوط عنكبوت ماكر، ينسج النص بهوس الجنون اللغوي ونضج التجربة السردية الممتدّة على عقود وآثار، متاهة مضفورة بإتقان يلج القارئ مسالكها ومنعرجاتها إن على صوت "دجلة العامري"، "الروائية التونسية" المغدورة في أنوثتها وجسدها بداء السرطان، يفتت جسدها ويوقف بلا مقدّمات دفق الحياة في شرايينها، أو على صوت "غسّان سلمان" الشاعر الفلسطيني المهجّر إلى تونس مع موجة المقاتلين الفلسطينيين أواخر صائفة 1982، ضحيّة سرطان استعماري استيطاني يأكل أرضه ويرميه من غربة إلى غربة .

    الحدث الروائي في "العراء" ليس في خطّة الخطاب ولا في توزيع شبكة الأحداث ولا في حبكة الحكاية وتركيبها الزمني والمكاني وإن كانت كلّ هذه المكوّنات مواطن ابتداع وتطريف ونسج متقن، الحدث الروائي في "العراء" هو فعل التلقّي ذاته، لحظة اللقاء بين الرواية وقارئها، نقطة التقاطع بين النص وقارئه أو لحظة المكاشفة بينهما.

وتحوي نقطة اللقاء هذه اختيارات الكاتبة اللغوية والبنيوية والإيقاعية والدلالية التي حمّلتها وظيفة النص التأثيرية، وبنت بها فخّها اللغوي، ونسجت بها شرك النص. وسنكتفي بالتوقّف عند بعض هذه الاختيارات بحسب ما تسمح به هذه الورقة مساحة وزمانا، نختزلها في عتبة العنوان وفي بعض خصائص اللغة السردية.

  1- العنوان: تنداح مجموعة من التّداعيات المعنوية في ذهن المتلقّي وهو يستقبل "العراء"، فقد يربطه بالعري الفيزيائي، عري الجسد ، ويتهيّأ منذ عتبة الرواية الأولى ليكون الجسد هو البطل السردي الأكبر في خطّة الخطاب، والحقيقة أنّ رواية "العراء" لن تخيّب ظنّ القارئ في ذهابه هذا المذهب، فبالفعل سيكون الجسد هو مادّة الحكاية الرئيسية في رواية حفيظة قارة بيبان، إذ سيكون جسد "دجلة العامري" هو مدار الرواية إن في عافيته أو في علّته.

    وقد يتعلّق مفهوم "العراء" بالكتابة في حدّ ذاتها، بما هي شكل من أشكال التعرّي، والنصّ كشّاف مهما يحاول صاحبه تلغيمه بالغموض أو بالألبسة اللغويّة. وفي المدرسة العرفانية اليوم توجد عودة قويّة إلى القراءة النفسانية التي استبعدتها المدرسة البنيوية وهمّشتها.

    لذلك قد يكون "العراء" إيحاء بـ"الأذى" أو بـ"التأذّي"، وكأنّ الذات المتلفّظة تقول: لا شيء يحمينا من الآخر، أو يقف في وجه اختراقه حميميتنا. والآخر في هذا السياق ليس محدّدا وإنّما هو كلّ ما يمكن أن نواجهه أو يواجهنا. فقد تعرّينا الطبيعة من الصحّة والعافية كما حصل لدجلة، وقد يعرّينا العمر من الشّباب ـ مثلا ! ـ أو من الذاكرة أو من الحبّ. وقد يعرّينا المجتمع من إنسانيتنا أو من علاقاتنا، كما يمكن للتاريخ أن يعرّينا من الانتماء ومن الأرض والوطن. صنوف من "العراء" منتشرة في رواية بنت البحر، وهي كلّها موصولة إلى الحكاية بأكثر من خيط، ما يجعل من "العراء" محملا رمزيّا واسع الدّلالة في هذه الرواية، ومعيّنا مهمّا من معيّنات الذّات المتلفّظة وهي تبني خطّتها السردية.

    2- لغة السّرد: اتّخذت لغة السّرد في "العراء" أشكالا تعبيرية متعدّدة متنوّعة، ارتأت الكاتبة أن تنسج بها خطابها الروائي وتبني بها حركة الدّلالة. وقد تراوحت تلك الأشكال التعبيرية في لغة السّرد بين ما هو حسّي وما هو "شعري" وما هو "تاريخي" وغير ذلك من الأشكال التعبيرية.

    أ- لغة الألم: تعي الكاتبة ـ ماقبليّا ـ أنّ "الألم" إمكانية مثلى لاختلاق التأثير وتحقيقه، وحيلة سردية قادرة على أسر القارئ وإيقاعه في شباك النص، وهو أداة تعبيرية تلوّن الخطاب السّردي إذا ما أتقن توظيفه بما من شأنه أن يخترق أفق التلقّي بسهولة وبتمكين كبيرين. وتكون الكاتبة حينذاك قد تقصّدت قصدا أن تحاور وعي القارئ ووجدانه بهذه "الحربة" أو "الإبرة" اللغويّة لاستثارة كوامنه واستفزاز خوفه من "الألم" وخشيته من جبروته ووطأته، وتذكيره بمدى هشاشته أمام سلطة الألم وصولات الوجع. وقد أقرّت الكاتبة على لسان الراوية/البطلة بجمالية هذه اللعبة اللغوية، وبقدرتها على الاستثارة والتأثير، تقول دجلة في بداية رحلتها مع المرض والخوف من العلّة: "أجل!.. أنا بخير!.. ولكن مازوشية ما تسكنني، يحلو لها تحويل الوهم إلى يقين!.. أو هي متعة الرّوائي في رفيف الرّوح! تبتهج بالأوهام وتتشبّث بالفجائع المكتوبة في دفاتر الخوف، لتشكّل منها العوالم الجديدة، وتبعث الرّؤى، وتكسوها رداء الحقيقة النابضة وتزيّنها بأجمل الكلمات" (العراء، ص 49). تكشف الكاتبة في هذا الشّاهد "الميتاروائي" عن وعيها الكاتب، وتضع بين أيدينا ـ في لحظة صدق أو في لحظة غفلة ـ سرّ خطّتها السرديّة، كونها ستمارس علينا مازوشية لغويّة، وستحيطنا بمعاجم الفجيعة والخوف، تلك خطّتها تقدّمها إلينا في "عراء" تامّ، إنّها رواية العراء فعلا!
    ضمن هذه الخطّة السردية اختارت حفيظة قارة بيبان أن يكون الجسد مدار الحكاية، جسد "دجلة" يتآكله السّرطان قطعة قطعة ويفتّته ويفنيه، والحقيقة أنّ همّ الكاتبة تشريب القارئ جرعات من لغة الألم، عن طريق محاصرته بمشاهد سرديّة شائعة في متن الرواية قائمة على تسريب الإحساس بالوجع من الشخصية إلى قارئها ومن النصّ إلى متلقّيه، ونقرّ بأنّ بنت البحر قد نجحت في ذلك أيّما نجاح.
    وقد تحرّكت مشاهد الألم ما بين الحسّي الخالص: "ناحية القلب، عاد الوخز يثقب غمامة الدّواء المخدّر للوجع، يعيدني إلى الضمادة القاسية المشدودة على الجرح.." (العراء، ص 111)، "يصرخ الجرح الغائر تحت الضمادة القاسية..ويلي! من إبر الوخز في اللحم المفتوح!" (ص 117)، وتتصاعد طاقة التأثير بلغة الألم في الرواية بتصاعد الأحداث وتقدّم البطلة في حكاية مرضها العضال: "ككلّ مرّة يعودان بي، حطاما يلمّانه بين أيديهم (كذا)، تأخذني أحيانا اختلاجات تخضّني، يكاد يتوقّف القلب عن النبض.. يأتون بالدّواء المهدّئ..تحضر سلمى طبق الطعام.. يأخذني الغثيان حالما أشمّ رائحة الأكل.. تتقلّص معدتي الفارغة.. يهجم القيء" ( ص126). وقد وصلت في بعض السياقات السردية نوعا من الوصف المفزع المقزّز للحظات الألم: "يومان مرّا على خروجي من غرفة العمليّات.. بتروا النّهد أوّلا.. وأخيرا اقتلعوا الرّحم.. رموه للكلاب والقطط السّمينة السّائحة بين أروقة المستشفى.. هناك داخل البناء وفي ثنايا الحديقة، البراميل الكبيرة تتوزّع،.. تبتلع ما تجود به المشاطر من اللحم البشري، تنطّ قطة سوداء على فوهة البرميل.. تخطف لحمة مستديرة حمراء، تلتهمها متلمّضة.." (ص 192)، وقد يصبح مشهد الألم مشهدا مفزعا يخاطب في القارئ عمقه النفسي الباطن وخوفه الأزلي من النهاية "الفاسدة" التي تنتظره: "خرّت بي رجلي المريضة المتورّمة.. وجدتني أقع على ركبتيّ، ووجع لاذع يثقب عظام ساقي التي انثنت. على السجّاد، بدت ديدان تتحرّك باتّجاهي.. عيون مدوّرة صغيرة تتكاثر حوالي، تزحف إلى رجلي المصابة"، (ص 203).
    إنّها سياقات سردية منذورة لاستثارة الوجع وحشر القارئ حشرا في دائرته الجهنّمية حتى يكون تعاطفه مع الشخصية ـ مع النص ـ تامّا وأثرها فيه بالغا: "لم أكن أتصوّر أن يعود المشهد بعد يومين، لا في الملعب الإسباني بل في ملعب آخر، وعلى جسد آخر.. هو جسدي!.. وأن تعود السّهام مرشوقة، لا في ظهر الحيوان، ولكن في صدري!"، (ص 92).
    لقد استطاعت حفيظة قارة بيبان وهي تقلّب وعي القارئ بين مشاهد الألم وسياقات الوجع أن تنتج جمالية خاصّة في روايتها هذه هي "جمالية الألم"، استمدّ منها الخطاب الرّوائي النصيب الأوفر من قدرته التّاثيرية وطاقته الفاعلة في المتلقّي.

    ب- اللغة الشعرية: تشهد موجة الروايات العربية اليوم ارتفاعا ملحوظا لنسبة الشعرية في لغتها، وإصرارا كبيرا على تهشيم الحدود بين الرواية والشعر حتى لتنقلب السياقات السردية في بعض الروايات قصائد صغيرة، فيها الرّمز والتكثيف والاختزال ومساحات شاسعة من التخييل. ولنا في تجربة حفيظة قارة بيبان مثال حيّ على هذا التوجّه الفنّي، سواء في "دروب الفرار" أو في "العراء".
    وسنحاول أن نتقصّى شعرية اللغة في "العراء" في اللغة الاستعارية الواصفة، حين تصف الكاتبة الشخصيات والأماكن والأشياء واللحظات والأحداث. وقد عملت بنت البحر على أن تنطبع روايتها بطابع شعري شفيف، حواه الخيال المجنّح والتلوين الاستعاري الكثيف، وطبع الخطاب الروائي بصنوف من الترميز والانزياح والتأمّل والتّكثيف وغيرها من خصائص كانت تبدو لنا أعلق بالشعر، ولكن أصبحت اليوم من مستلزمات العمل الروائي وإلاّ سقط في التّسجيلية والمحاكاة البسيطة إن لم نقل السّاذجة.
    في هذه اللغة الشعرية تقدَّم المكوّنات السردية في هالة من التصوير الإيحائي الذي يخرج الأشياء من مجراها الواقعي المعروف إلى مجراها الفنّي الجمالي، وتصل وعي القارئ ووجدانَه مثقلة بالتكثيف المعنوي، راشحة بالشعرية والإغراء الدّلالي، بذلك وُصفت المدينة على لسان "غسّان"، الشاعر الفلسطيني والشخصية الكبرى الثانية في الرواية، يقول: "بدت المدينة من بعيد، وقد خفت المطر، ملتحفة ببياض مبلّل صامت حزين. وأطلّ البحر!.. البحر المقيت.. الحبيب! حياتي..وموتي..وذاكرتي!" (ص 23).
    وحين رسمت الرّاوية حلم الوصل مع "غسان" فقد استدعت مجموعة من المشاهد الرومنطيقية المعروفة في قوالبها ومضامينها: "تغرق عيناي في بحر عينيه..يشدّ يدي. يسحبني بعيدا.. يظلّلني قمحه العالي.. تجول أناملها (يده) في ليل شعري.." (ص 172). وفي سياقات أخرى تتحرّر الذات الكاتبة من هيمنة "القوالب" التعبيرية وتبني لغتها بناء ذاتيا مستحدثا، فيه من الطرافة والجمالية ما فيه، ": "سأمسك بالتفّاحة ملئ يدي! أغرس أسناني في قلب الثمرة الشهيّة الناضجة! أتلمّض الحلاوة العبقة الباقية في أرض مازالت تمور بالحياة!" (ص 180). وقد تواترت هذه الشعرية الذاتية في مواطن السّرد المتعلّقة بقصّة "دجلة" مع المرض أساسا، وكأنّها هي القصّة الجوهرية والرّئيسية مقارنة مع قصّة الشاعر الفلسطيني المهجّر "غسّان سلمان". بمثل هذه الشعرية وصفت الراوية لحظة تلقّيها وصول الدّاء إلى رحمها: "انتشرت غربان ملأ حفيف أجنحتها قاعة الفحص. ظلّت تحوم حوا الجسد الممتدّ في عرائه أمام قرص الشمس الباردة المتفرّجة من وراء السّتار" (ص 189).
    وقد تتكثّف الشعرية في لغة بنت البحر السردية حتى تصبح رثاء مفعما بالحرقة، منسوجا بالوعي المرهف بالخراب، محمّلا بصنوف من تصوير القبح لا يمكن أن يمرّ دون أن يترك أثره في القارئ، تقول دجلة وهي تلتقي لأوّل مرّة بجسدها بعد إجراء عملية البتر: ".. أطلّ نهدي الأيمن في بياضه، نافرا، فريدا، يرتعش بوحدته البائسة، بينما امتدّ الجرح المخيط حذوه حتى الإبط. خطّ غليظ مزرقّ يشطرني أفقيّا نصفين، ويمتدّ على أرض بلقع لا أثر فيها لغير سكّة قطار شقّ الأرض وسوّاها ومضى.." ( ص 128).
    لقد عوّلت حفيظة قارة بيبان وهي تبني خطابها الروائي على لغة شعريّة وجدانيّة، غنية بالترميز والإيحاء والتكثيف، وسّعت دوائر الخطاب الدلالية وأرجحتها بين النثر والشعر، ووضعت الرّواية في رتبة عالية من المقروئية والتّأثير.

    ج- لغة التّاريخ: تتصدّر "الرواية التاريخية" اليوم، أو بشيء من التدقيق المفهومي "الرواية السياسية" المشهد القرائي والنقدي.
     وقد حققت الرواية التاريخية العربية اليوم انتشارا واسعا وجمهورا كبيرا، يحملان دلالة على أنّ المرجعية التاريخية تحقّق للنص الروائي عمقا استراتيجيّا في الفعل القرائي، إذ تدخل في إتقان لعبة الإيهام بالواقعية أو بالمصداقية، وتسهّل عليه الدّخول إلى عوالم النص الروائي والانخراط في أحداثه، أحداثٍ يجد نفسه إمّا يعرفها أو عاشها أو سمع عنها من بعيد أو من قريب. تستغلّ الرواية التاريخية استغلالا فنيا "ألفة" القارئ مع بعض الأحداث الكبرى أو القضايا المهمة لتبني بها بندا مهمّا من بنود "العقد القرائي"، هو البند القائم على المعرفة المسبقة بين القارئ و"الحدث"، أو الالتزام الماقبلي بين المتلقّي و"القضيّة". ويمكن أن نعتبر أنّ الرواية الجزائرية قد حقّقت نجاحات كبيرة في هذا النوع الروائي، سواء كتّابها القدامى مثل "محمد ديب" و"مولود فرعون" في تعاملهما مع "جزائر الاستعمار"، أو روايات "عبد الحميد بن هدوقة" بانغماسها في تاريخ "جزائر الاستقلال"، ووصولا إلى واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي وما أنتجاه من روايات اشتغلت في مجملها على تاريخ "جزائر الإرهاب".
    ضمن هذا السّمت الروائي ندرج رواياتي حفيظة قارة بيبان "دروب الفرار"، و"العراء" محلّ النظر.
    تتقاطع في رواية "العراء" حكايتان، حكاية "دجلة العامري"، الرّوائية التونسية (ص 14)، والمثقفة الملتزمة، الحاملة هموم الوطن وعلى رأسها القضيّة الفلسطينية، والمكتوية بقضايا الإبداع والتحرّر، وحكاية الشاعر الفلسطيني "غسّان سلمان" المهجّر قسرا من بيروت إلى تونس مع مقاتلي المقاومة الفلسطينية خريف 1982، ليكون اللقاء بينه وبين دجلة، ولتنمو قصّة حبّ مثالية جدّا، إلى حدّ لا يصدّقه القارئ أحيانا: "لم يدر أنّ يدي تصافح في يده الأرض السليبة المقدّسة، لا جسد الرّجل الوحيد المتعطّش للرّواء" (ص 107).
    قصّتان تتداخلان وتتقاطعان وتندفع عبرهما حركة السرد في رواية "العراء" بلا توقّف، قصّة وجدانية محض هي قصة "دجلة" في صراعها التراجيدي مع المرض، توزّعتها حركة البطلة بين البيت والمستشفى، وبين الجسد والمشرط، والحياة والموت. وقد ذهبت الكاتبة بالتخييل بعيدا في هذه القصّة حتى أنّنا نلتقي بالشخصية الساردة "دجلة" تواصل الكلام في عالم الأموات، وتنتج خطابا غريبا عجيبا به تبدأ الرواية وبه تنتهي.
    وقصّة يغلب عليها "الخطاب التاريخي" أو "التّأريخي" هي قصّة "غسّان سلمان"، انبنت في كثير من سياقاتها على محطّات تاريخية معلومة لدى القارئ العربي عموما والتونسي خصوصا.
    ونلتقي بالقصّة الفلسطينية في مختلف مفاصل الرواية، في الفصل الأوّل "نداءات الفجر الشّتوي" (من ص 11 إلى ص 24)، وفي الفصل الثالث "التيه" (من ص 58 إلى ص 71)، والسادس "لقاء الغارة" (من ص 97 إلى ص 106)، والثاني عشر "خارج الحكمة" (من ص 182 إلى ص 186). في هذه القصّة الدّاخلية نلتقي بمجموعة من الأحداث التاريخية / السياسية التي خلطت الأوراق التونسية والأوراق الفلسطينية خلطا ومازجت ما بين الشعبين ممازجة بلغت مزج الدّمين التونسي والفلسطيني في حمّام الشط إثر الغارة الصهيونية الغادرة سنة 1985، وذكرت كذلك حادثة اغتيال "أبو جهاد" (ص 205)، كما ذكر في بعض أوراق "غسّان سلمان" ما يشبه الوثائق عن "مسلسل التطبيع التونسي مع العدوّ الصّهيوني" (ص 185). لا شكّ في أنّ الخطاب التاريخي في الرواية قد قوّى علاقة التآلف بين الرواية وقارئها، وحقّق للنصّ خلفية إيديولوجية قويّة قادرة على رفعه إلى مصافّ الأدب الملتزم، أو الأدب النضالي، بحكم قيمة القضيّة التي خاضت الكاتبة في بعض جوانبها، ونقصد بها القضية الفلسطينية، فرفدت بها حركة السرد، ووسّعت من آفاق النص الروائي، وخاطبت من خلالها القارئ العربي عموما، مثلما فعل كثير من الكتّاب العرب، نذكر منهم على سبيل المثال أحلام مستغانمي في "ذاكرة الجسد" وواسيني العرج في "سوناتا لأشباح القدس".
- خاتمة: توقّفنا عند مجموعة من الاختيارات الفنية، ارتأينا أن حفيظة قارة بيبان قد انتقتها لتبني بها خصائص خطابها الروائي، وتعلن بها معيّنات الذّات الساردة في هذا النص، وتصنع بها حدث القراءة ومستوى التفاعل بين المتلقّي ورواية "العراء"، وأقرّ أنّ تفاعلي مع هذه الرواية كان أقوى ممّا توقّعتُه!

د.آمنة الرميلي الوسلاتي (كلية الاداب بسوسة)