الألـم والأمـل في «ظلمـة النـور» لبنت البحـر


في ظلمة النور    عنوان مجموعة قصصية وكذا عنوان قصة داخلها، أردف بعنوان تحتي "أو لك أن تحلم" هو الآخر عنوان قصة. هذه المجموعة هي آخر ما أتحفتنا به القاصة بنت البحر. ونظرا لما بين العنوانين من وشائج وكذا لما بينهما وبين بقية القصص، سنحاول تتبع الخيط الرابط بينها كلها من خلال ما وصل إليه بطل كل قصة وسنبرز خلاصة ما ترمي إليه صاحبة الأثر

‏ولكي لا نسقط في سرد نهايات أبطال القصص ارتأينا أن نرتكز على عنصرين هامين في تتبع المسار الذي سلكه البطل وهما

‏المكانة الاجتماعية، المستوى الذي ينتمي إليه البطل
هدف البطل

واختيارنا لهذا المرتكز مرده الهدف الذي تحدده المرجعية التي ينتمي إليها صاحبها أو المحيط الذي نما فيه البطل. ‏وانغماسا في صلب الموضوع~نقول أن أبطال القصص ينتمون إلى الطبقة المثقفة في المجتمع نهلوا من العلم أو الأدب ما بوأهم مكانة دفعتهم إلى المطالبة بما يرغبون فيه وما يستحقونه. وتبرز هذه النخبة الشخصيات التالية: ندى المجازة في الآداب كما في قصة «في ظلمة النور»، الصحفية في «الدائرة» المهندس، الكاتب، الرسام.. وكل واحد من هؤلاء يحمل نفسا طموحا، يسعى إلى تغيير واقعه فنجده ناقما على حاله ‏الذي هو فيه، ثائرا أو يائسا من كل شيء، مغيرا وجهته التي آمن بها. فالصحفية مثلا ألهبها الصمود «كان صوتها يرتفع. يشتعل حماسة وهي تحدث رفاقها» والمهندس الأعزل التائه في الصحراء يطفئ نار شهوة الإعرابي بنار خنجره بعد أن سلّه منه
‏كما أننا نجد أبطالا ينشدون أهدافا ذات بعد إنساني وجودي، فالمربية في «حين أكره الدفء» تفضل الكرامة و«ماء الوجه» على الراتب المرتفع، وفي «العصفورة» تناشد البطلة الحرية من قيد البيت والرجل والمدينة وتجد ضالتها في النافذة متفرجة على العصافير الطليقة، وفي «من الثلج» تسعى البطلة إلى كسر العلاقة بين الرجل والمرأة معتبرة إياها قيدا إذ تقول: «أول مرة نزلت يداك تتحسسان جسدي اقشعر بدني» أو «كتبت في عقد الشراء.. اقطف ما اشتريت، اسحق ما يريد جسدك...»
‏وقد اعتمدت الكاتبة في رسم شخصيات قصصها على الحوار الباطني أو الذاتي monologue الذي يبين البطل من خلاله لنا مسار مستقبله ومدى بلوغ مغزاه من خلال التداعي أو ما يسمى بـ Flashback ، إذ نجد البطل يفتخر بماضيه وبما حققه ساعيا إلى تجاوز العراقيل المعقدة والسخيفة. ومن خلال اصطدام صورة الماضي بالحاضر يجد البطل نفسه إما يعاني ألما حادا ونقمة ‏تدفع البطل إلى نسيان أو تناسي ماضيه وإتباع سبيل آخر أو مواصلة التحدي
‏ففي المستوى الأول يكون البطل مهووسا بوجع السؤال وجرح اصطدام الماضي بالحاضر يؤدي به إلى التراجع والانسحاب من واجهة المقاومة ويتجلى هذا في كل من «في ظلمة النور» إذ تسعى ندى إلى تناسي فارس تقول وهي في اتجاه الطائرة للرجوع إلى بلدها «تحترق الرسوم والصور الماضية» ومن هنا سيتغير مسارها «والطائرة تعلو في ‏الفضاء تحملني إلى زمن آخر ومرفأ جديد» وفي الدائرة تصرخ البطلة بعد سنين من العمل الدءوب: ‏«هل غيّر العالم قلم؟ هل غيّر الزمن؟» ومن هنا غيّرت وجهتها إلى الكأس والنوادي الليلية. ‏وفي «لك أن تحلم» يجتر البطل حمدي الرسام ماضيه هائما في ‏مشاكل الحياة اليومية وتنتهي القصة بكلمات شديدة العبارة متينتها «كنت وقتها من أمد قد أطبقت الباب خلفك قاصدا المحطة وابتلعتك ظلمة آخر الليل والطريق»، النهاية نفسها في «المشهد الأخير» و «العصفورة» و «من الثلج» و «الحريق» و«المنديل الأبيض» و«الشيخ والمساء»
‏أما القصص التي أبدى فيها البطل تجديد نشاطه وعزمه الصارم على الصمود فتبدو جلية في قصة «مع الأطفال» و «ليلة من ألف ليلة عربية» «حين أكره الدفء» و «حكاية الأسوار»! ففي الأولى تسعى المعلمة جاهدة إلى بلوغ هدفها السامي وهو تنوير عقول أطفال الريف رغم الداء والأعداء: الداء الذي أودى بحياة أعز تلميذ لديها ذلك أن القسم «كالإسطبل» لا باب له ولا نوافذ، و«الأهالي والبلدية والمتهاونون» لقد فكرت تفكيرا جادا في استقالتها لكن نشيد الأطفال «سقف بيتي حديد...» والورق المقوى الذي جلبوه معهم جعلها «دون أن تدري... أمام الساحة المسيجة مع الأطفال». ‏وفي الثانية «حين أكره الدف» تسعى البطلة (مربية الأطفال) إلى إيجاد جل لأزمة بطالة أخيها لدى قريب ذي شأن قابلته رغم البرد والمشاغل والأتعاب ‏وتحمل مسؤولية البيت. ولكنها صدمت بما قاله الجار فضّلها كسكرتيرة عنده على أخيها مع راتب أكبر، لا لحل المشكلة بل لأنوثة كاملة فيها، لكن الكرامة تجعلها تأخذ الموقف الحازم. «خرجت أجري..أجري.. أرمي نار الدف ء خلفي.. وأقذف نفسي لبرد الطريق». ‏وبصورة إجمالية نلاحظ أن القصص التي يبرز فيها البطل صامدا جامعا مكامن قوته لا ‏تمثل إلا ربع القصص التي يتراجع فيها البطل في النهاية عن المسار الذي اتخذه، كنقمة ‏أو كفشل (انظر «المنديل الأبيض») والخضوع للواقع
وهذا ما يجعلنا نقول أن الصورة التشاؤمية تكاد تصبغ كل المجموعة وتطفئ كل قبس تفاؤلي. وباعتبار ما يبدع لا ينفصل عن مبدعه بل يجليه ويكشفه يمكننا القول أن التشاؤم يلازم بنت البحر سواء في طرحها للمسائل ذات البعد الحضاري القومي أو ذات البعد الوجودي الفلسفي. ‏لكن هذا التشاؤم ما يكاد ‏يستقر إلا وهزته شعلة من نور، فلو رجعنا إلى تاريخ كتابة كل قصة لوجدنا هذا التداول بين التشاؤم والتفاؤل، بين الألم والأمل، بين المد والجزر، فأقدم تاريخ قصة يعود إلى سنة 1979 ‏(قصة «من الثلج») وهي ولئن حملت في طياتها قلقا وخيبة أمل إلا أنها تلتها قصتان متفائلتان وهما «مع الأطفال» و «حين أكره الدفء» كتبتا في فيفري 81، ولكن سرعان ما يشهد هذا الخط تنازلا مع «حكاية ذات مساء» و «المنديل الأبيض» يكسره فجأة تاريخ كتابة قصة «ليلة من ألف ليلة» (أوت 1982 ‏) ثم يزداد الخط تنازلا مع «الدائرة» و «الشيخ والمساء» و «لك أن تحلم» و «المشهد الأخير» و «الحريق»، لتبرز إثره جذوة أمل تحيي النفس مع «حكاية الأسوار» (بتاريخ أوت 91) ثم يبرز التشاؤم من جديد مع أول قصة أي في «ظلمة النور». ‏ومن خلال هذه المراوحة يتأكد أن المسار التشاؤمي الطاغي في القصة قد تم تكسيره وتجزئته بروح تفاؤلية وهذا ما يؤكد أن قبس النور يسعى ليمتد ويتجذر في ذهن القارئ وخير دليل ختم المجموعة بقصة تفاؤلية الأبعاد ونرى أن هذا الاختيار ليس اعتباطيا وله ما يبرره إذ قابلت القاصة آخر قصة في نفس نهايتها بنهاية أول قصة. ويمكننا أن نضيف ما للتصدير والإهداء من دور في بلورة هذا التمشي! فطاغور في هذه الأبيات التي تصدرت الكتاب يؤكد مدى تناغمه مع الرعد القاتل، الرعد الذي يمثل الثورة والتحدي، ففي نغم الرعد تكمن قطرات المطر نبع ‏الحياة. وهذا ما يرمي إليه الإهداء أيضا إذ جمعت بنت البحر بين كلمات: الشوق الدافق - الحياة - المحبة - القلوب - القصة - الأحلام - عيون الصبايا - ألفة ويسر وهي كلمات ذات قاموس واحد هو الأمل الفياض
‏إن ثراء هذه المجموعة القصصية يحث على تناولها تناولا دقيقا وتتبع معانيها تتبعا عميقا ذلك أنها تعكس تجربة بنت البحر الخصبة في تجاذبها بين الأمل والألم، بين الطوق والتوق، بين الفرحة المدمعة والحزن القاتل. وما هذه الثنائيات إلا صورة عاكسة مشاعر الإنسان في توقه إلى السماء وطوق الأرض الذي يكبله، في الطموح الذي يريد تحقيقه والعراقيل التي تعثره. إن مجموعة«في ظلمة النور» تعكس بهرة أمل رغم المحطات الفاشلة التي حط ‏فيها بعض أبطالها



.
‏المراجع: في ظلمة النور - بنت البحر - منشورات قصص 17 – 1993

عادل بوعجيلة جريدة الصبـاح